في عالم تتسابق فيه الاقتصادات على بناء بيئات أكثر جذبًا للاستثمار وأكثر قدرة على تحفيز النشاط الاقتصادي، أصبحت المؤشِّرات الدوليَّة أحد المقاييس الَّتي تكشف موقع كُلِّ اقتصاد على خريطة التنافس العالمي، وتجعل رؤوس الأموال المستثمرة تسعى إليه؛ فهي تعكس في جوهرها مستوى كفاءة التشريعات الاقتصاديَّة ومرونة بيئة الأعمال واستقرار السياسات الماليَّة. ومن هذا المُنطلَق يكتسب التقدم الَّذي حقَّقته سلطنة عُمان في مؤشِّر الحُريَّة الاقتصاديَّة لعام 2026 الصَّادر عن مؤسَّسة «هيرتج فاونديشن» أهميَّة لافتة؛ إذ صعدتِ سلطنة عُمان (19) مرتبة دفعة واحدة لِتصلَ إلى المرتبة التاسعة والثلاثين عالميًّا من بَيْن (176) اقتصادًا، وهي قفزة تعكس تحسنًا ملموسًا في عدد من المؤشِّرات المرتبطة بالاستقرار المالي والانفتاح التجاري وكفاءة البيئة التنظيميَّة. كما تعكس في الوقت ذاته مسارًا من الإصلاحات الاقتصاديَّة الَّتي بدأتْ نتائجها تتجلى بصورة أوضح في موقع الاقتصاد العُماني ضِمن مؤشِّرات التنافسيَّة الدوليَّة، خصوصًا وأنَّ تلك الشَّهادة تأتي من مؤسَّسة عالميَّة ذات مصداقيَّة عالية.
ولا يقف معنى هذا التقدُّم عند حدود الرَّقم الَّذي حقَّقته السَّلطنة في المؤشِّر؛ فالمؤشِّرات الاقتصاديَّة الدوليَّة في جوهرها تعكس حصيلة مسار طويل من السياسات والإصلاحات الَّتي تتراكم نتائجها بمرور الوقت، لِيظهرَ بوضوح أثر الإصلاحات الماليَّة الَّتي شهدتها السَّلطنة خلال السنوات الأخيرة، حيثُ سجَّلتْ عُمان تقدُّمًا ملحوظًا في مؤشِّر الصحَّة الماليَّة الَّذي ارتفع إلى (97.5) نقطة من أصلِ (100)، وهو أحد أعلى المؤشِّرات ضِمن مُكوِّنات الحُريَّة الاقتصاديَّة، حيثُ يعكس هذا التحسُّن مجموعة من العوامل المرتبطة بإدارة الماليَّة العامَّة، في مقدِّمتها انخفاض نسبة الدَّيْن العام إلى النَّاتج المحلِّي الإجمالي، وتحقيق فائض في الميزانيَّة العامَّة للدَّولة، إلى جانب الجهود الَّتي بذلتها المؤسَّسات الماليَّة في تعزيز كفاءة إدارة الموارد وتحسين مستويات الانضباط المالي. وتُمثِّل هذه النتائج مؤشِّرًا مهمًّا على قدرة السياسات الاقتصاديَّة على بناء قاعدة ماليَّة أكثر توازنًا واستدامة؛ إذ إنَّ الاقتصادات الَّتي تتمتع بماليَّة عامَّة مستقرَّة تملك قدرة أكبر على مواجهة التقلُّبات الاقتصاديَّة العالميَّة، كما تمنح المستثمرين قدرًا أعلى من الثقة في استقرار البيئة الاقتصاديَّة على المدى الطويل. ومن هذا المُنطلَق يُمكِن النظر إلى هذا التحسُّن في الصحَّة الماليَّة بوصفه إحدى الركائز الأساسيَّة الَّتي أسْهَمتْ في تعزيز موقع الاقتصاد العُماني في مؤشِّر الحُريَّة الاقتصاديَّة، كما يعكس نجاح السياسات الاقتصاديَّة في تحقيق توازن بَيْنَ متطلبات الاستقرار المالي واستمرار النشاط الاقتصادي والنُّمو.
ولعلَّ القراءة الأوسع لهذا التقدُّم تَقُود كذلك إلى ملاحظة التحسُّن الَّذي حقَّقته سلطنة عُمان في عدد من المؤشِّرات الأخرى المرتبطة بانفتاح الاقتصاد وحيويَّة النشاط التجاري، حيثُ سجَّلت نتائج مرتفعة في مؤشِّر حُريَّة التجارة الَّذي يقيس مدى تأثير الحواجز الجمركيَّة وغير الجمركيَّة على حركة السِّلع والخدمات، إلى جانب نتائج إيجابيَّة في مؤشِّر الإنفاق الحكومي ومؤشِّرات حُريَّة الاستثمار والحُريَّة الماليَّة، وهي عناصر تعكس في مجموعها بيئة اقتصاديَّة أكثر انفتاحًا وقدرة على التفاعل مع حركة التجارة والاستثمار العالميَّة. كما تعكس توجُّهًا واضحًا نَحْوَ تعزيز دَوْر القِطاع الخاصِّ وتوسيع مساحة النشاط الاقتصادي داخل السوق، ويُمكِن قراءة هذه المؤشِّرات في سياق التحوُّلات الاقتصاديَّة الَّتي تشهدها السَّلطنة في السنوات الأخيرة، حيثُ تتكامل سياسات تطوير البنية الأساسيَّة مع جهود تحسين البيئة التشريعيَّة والتنظيميَّة، بما يُسهم في تعزيز موقع عُمان كمركز اقتصادي وتجاري قادر على جذب الاستثمارات، والاستفادة من موقعه الجغرافي الاستراتيجي في حركة التجارة العالميَّة.
إنَّ هذا التقدُّم الَّذي حقَّقته سلطنة عُمان في مؤشِّر الحُريَّة الاقتصاديَّة لا يُمثِّل محطَّة نهائيَّة بقدر ما يعكس مرحلة ضِمن مسار أوسع تسعى من خلاله السَّلطنة إلى تعزيز تنافسيَّة اقتصادها، ورفع كفاءة بيئة الأعمال بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040». ويتجلَّى عَبْرَ ذلك الدَّوْر الَّذي يَقُوم به المكتب الوطني للتنافسيَّة، ممثلًا بالفريق الوطني لتحسينِ مؤشِّرَي جاهزيَّة الشبكات والحُريَّة الاقتصاديَّة، إلى جانب الجهود الَّتي يَقُودها البرنامج الوطني لتنمية القِطاع الخاص ِّوالتجارة الخارجيَّة «نزدهر»، حيثُ تعمل هذه الجهات بالشراكة مع المؤسَّسات المعنيَّة على تطوير السياسات الاقتصاديَّة، وتحسين البيئة التنظيميَّة، ومتابعة أداء السَّلطنة في المؤشِّرات الدوليَّة. وتُمثِّل هذه الجهود المؤسَّسيَّة ركيزة مهمَّة في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيُّف مع التحوُّلات الاقتصاديَّة العالميَّة، كما تُعزِّز قدرة السَّلطنة على تحقيق مراتب تنافسيَّة متقدِّمة إقليميًّا وعالميًّا، بما يدعم جهود التنويع الاقتصادي، ويُعزِّز موقع عُمان كوجهة اقتصاديَّة جاذبة للاستثمار.