أولًا: ما بَيْنَ «هتل زندية» و»ميدان شهدا»، التاريخ يتحدث.«شيراز»، مدينة نشطة في ذاكرة العُمانيين، كثيرة التداول في مجالسهم وثقافتهم العامَّة وترد باستمرار في نصوصهم الأدبيَّة وقصائدهم الشعريَّة، فقد كانت وجهة مهمَّة لأجيال ما قَبل النهضة العُمانيَّة الحديثة ـ إلى جانب الهند والبحرين ـ في البحث عن العلاج والشفاء من الأمراض خصوصًا طبَّ العيون، وذلك في فترة الأربعينيَّات وحتى السبعينيَّات من القرن الماضي. فشاعر الشرق، الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي، الذي فقَدَ خاله في رحلة علاج إلى شيراز، أشار إلى أنَّه «مات مريض الجسم في دار غربة * ببلدة شيراز بلاد الأعاجم»، واعتاد الشعراء والأدباء العرب إطلاق مصطلح «العجم» على كُلِّ أُمَّة لا تتحدث اللغة العربيَّة. وقد زرت «شيراز» في عام 2006م، وكتبت مقالًا عن رحلتي إليها نشرته هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن) بعنوان «دردشة شتويَّة من مدينة شيراز... ففيها ما هو أبعد من العلاج»، عبَّرت فيه عن «... الجَمال الشيرازي الطاغي» الذي كان «سِمة أساسيَّة في هذه المدينة قلَّما يجده الإنسان في مكان آخر، جَمال يضعف أمامه الشعراء والكتَّاب ولا يملك الزائر لمدينة شيراز إلَّا أن يكتشف جوهره ومكنوناته...». «إنَّ شيراز بلدة لا يكاد ال * وصف يأتي وإن تناهى عليها * ليس تدري سكانها أسرور النفس * يأتي من خلفها أم لديها * لو رآها امرؤ وأدخل عدنا * سأل الله أن يرد إليها». وفي السنوات الأخيرة نما عدد العُمانيين الباحثين عن الاستجمام والاسترخاء والراحة، وطلب العلاج الزائرين لمستشفيات «شيراز»، ومعالمها وصروحها السياحيَّة وحدائقها الغنَّاء وطبيعتها الخلَّابة والمتنوِّعة بَيْنَ ربيع وخريف، صيف وشتاء... فيستبدُّ الإعجاب والطرب والعشق الشيرازي بجميع العائدين إلينا، ممَّن نعرفهم من تطوافهم إلى هذه المدينة الملتحفة بالحُسن التي تجمع بَيْنَ الأناقة والجَمال، وفتنة العمارة والطبيعة الساحرة وروح الحداثة... فيسمعوننا من المديح والإطراء والثناء في حقِّها ما لا نستطيع تجاهله وتجاوزه، وما نضعف أمام حججه وأسبابه المسنودة بصوَر ومواقف ومشاهدات مباشرة وحيَّة... يضاف إليها قرب المسافة بَيْنَها وبَيْنَ مسقط، وضآلة التكلفة، ويُسر الحياة، والتطوُّر المتسارع في الخدمات السياحيَّة ورفاهيَّتها من فندقة ومنتجعات ومطاعم ومقاهٍ وأسواق ووسائل نقل حديثة وترفيه... وهي جميعها محفِّزات ودوافع عجَّلت من سرعة اتِّخاذ القرار بالحجز الفوري على رحلة طيران «السلام»، يوم الخميس الموافق 27 ابريل 2023م، بصحبة بعض أفراد عائلتي في رحلة لَمْ تستغرق أكثر من ساعة ونصف، كانت كافية لتهبط بنا في مدرجات مطار شيراز في الساعة الرابعة عصرًا. يطلق على مدينة «شيراز» العديد من الأسماء، فهي «شيرازيس»، و»تيرازيس»، و»دار العلم» لكثرة العلماء فيها في أيَّام الدولة «الصفوية» خصوصًا، وكانت مركز وعاصمة للدولة «الصفارية»، و»البويهية»، و»الزندية»، وأنجبت أنبغ وأشهر شعراء فارس مثل «حافظ الشيرازي»، و»سعدي الشيرازي»، اللذين يستقطب مزارهما الكثير من السيَّاح وعشَّاق الأدب ومتذوِّقي شعرهما، من أنحاء العالم، وترتبط بدايات وجود «شيراز»، بالكثير من الأساطير والخرافات حالها كحال معظم مُدن العالم ذات التاريخ الموغل في القدم، وكان لها شأنها ومكانتها العلميَّة والتجاريَّة وبروزها الحضاري في عهد الأخمينيين والساسانيين، ولا تزال بعض الآثار والمعالم التاريخيَّة والفنيَّة تشهد على عصور هذه المدينة الذهبيَّة، وتاريخها النشط في قلب فارس. وفي عهد الفتوحات الإسلاميَّة كانت «شيراز» «مركزًا عسكريًّا وإداريًّا لإقليم فارس، وقد تولَّى عمارتها لفترة من الوقت، القائد الفاتح محمد بن القاسم الثقفي». رحلة «طيران السلام» التي أقلَّتنا إلى «شيراز» مزدحمة بالركاب، وجميع مقاعدها مشغولة، عُمانيين، إيرانيين، جنسيات من شِبه القارَّة الهنديَّة وشرق آسيا، أوروبيين... تعدَّدت مقاصدهم بَيْنَ السياحة والعلاج والتجارة والاكتشاف، وزيارة المزارات الدينيَّة في عموم المُدن الإيرانيَّة... لذلك كان المطار مزدحمًا، فيما عجَّلت الإجراءات السَّهلة والمَرِنة وتهذيب ولطافة الموظفين من سرعة مغادرتنا، ثم توجَّهنا إلى فندق «هتل زندية»، الذي حجزنا فيه لإقامتنا قَبل شهر تقريبًا، ويقع بالقرب من «ميدان شهدا»، وسوق أو «بزار» وكيل الشَّعبي، الذي يعود بناؤه إلى عصر الأُسرة الزنديَّة، ويُعدُّ تحفة معماريَّة في تصميم بنائه المَتين، يَشي بالازدهار الاقتصادي والثقافي الذي بلغته شيراز في فترة حكم كريم خان زند، مؤسِّس السلالة الزنديَّة، ينقسم السُّوق إلى أربعة صفوف مسقَّفة، وذلك بعدد الجهات الأربع، الشرق والغرب، الشمال والجنوب، وكُلُّ صفٍّ منها يمتدُّ لمسافةٍ طويلة، يضمُّ عشرات المحالِّ التجاريَّة التي تبيع الأقمشة والسجاد والصناعات الحرفيَّة والتحف والحلويات والمكسرات والأعشاب والتوابل والأدوات النحاسيَّة والهدايا والكُتب وحتى الأسلحة الخفيفة، ويتطلب أيامًا لاستطلاع محتوياته ومرافقه وأقسامه، وسقفه مرتفع جدًّا وانسيابي، لكَيْ تتمكَّن عشرات الفوَّهات أو الفتحات من تحقيق مهامها في التهوية والإضاءة والتنقية، ومنع مياه الأمطار من التسرب إلى داخل السُّوق، واستخدم في بنائه الطوب والجير والجبس والأحجار، ومكَّنت جودة تصاميمه وقوَّة جدره وأساساته من مقاومة الزلازل التي تعرضت لها شيراز، وظلَّت القباب والأقواس والزوايا والمصطبات محتفظة بجماليَّاتها وألوانها ورونقها الأخَّاذ، وتحيط بالسُّوق أزقَّة مبلَّطة وساحات وشبكة من المداخل والمخارج التي تحوَّلت إلى رئة لشيراز ومكان لممارسة وتنظيم الأنشطة الثقافيَّة والفنون والتنزه والاستمتاع بمباهج الحياة والترفيه عن النَّفس. فالمكان، يعجُّ بالصخب والنشاط والازدحام البشري، ويحتشد بالآثار والمباني التاريخيَّة الفاتنة التي تعود إلى عصور إسلاميَّة متفاوتة، فحول بعضها إلى مقاهٍ ومطاعم فاخرة، وأصبحت مقصدًا للسيَّاح وهواة التسوُّق واكتشاف تاريخ وثقافة وفرادة مدينة «شيراز»، فمنطقة «وكيل» عبارة عن مجمَّع تجاري ومركز ديني وتعليمي وترفيهي ضخم، يضمُّ جامعًا ومكانًا للإقامة «فندقًا»، وهو ما يُعرف قديمًا بـ»الخان»، ومدرسة وحمامات وأروقة وسرادب... ما زالت تنبض بالحياة وتستقطب الزوار وهواة العمارة القديمة وفنونها، فجامع «كريم خان زند»، لا يزال محتفظًا بجَمال تصميمه وعمارته الفريدة ودقَّة نقوشه، وروعة وحُسن زخرفته وحشد القبب والأعمدة المتينة التي تميِّزه وتعبِّر في الوقت ذاته، عن القوَّة والفخامة وازدهار وبذخ الدولة الزنديَّة. وتُوجد بالقرب منه قلعة شيراز التاريخيَّة المهيبة يحيط بها سُور ضخم، وأربعة أبراج، بُنيت بالجص والطوب، ولا تزال هي والقلعة ومرافقها محافظة على هيئتها القديمة، وغرضها السَّكني ـ الدفاعي الذي أقِيَمت من أجله. ويعود فضل بنائها كذلك إلى «كريم خان زند» لتكون مقرًّا أو قصرًا لإقامته ومركزًا دفاعيًّا، فحرص أمهر وأفضل المعماريين في تلك الفترة، على المزج بَيْنَ الطابعَيْن، أمَّا التشكيلات والمواد والأشياء التي استخدمت في تزيين مرافق القلعة وتصميم الزخارف والإطارات والأقواس والرفوف والأثاثات والمرايا... فقد أحضر الكثير منها من «يزد وتبريز، وروسيا وتركيا العثمانيَّة وأوروبا، فيما رُسمت ونُقشت وحُفرت اللوحات والديكورات والرسوم في السقف والجدران بماء الذهب واللاجورد وألوان نباتيَّة ومعدنيَّة». والتطواف اليومي بَيْنَ معالم المدينة القديمة في شيراز، ومقرِّ إقامتنا، واحتساء فناجين القهوة وتذوُّق أطعمة الطبق المحلِّي واكتشاف تنوُّعاته، من مباهج الحياة التي لا تضاهى ولا تفوَّت، خصوصًا وأنَّ تكلفة السفر إلى المُدن الإيرانيَّة متواضعة للغاية، فتذكرة الطيران في حدود 70 ريالًا عُمانيًّا، ومتوسط الإقامة في أفخم الفنادق لا تتعدَّى الأربعين ريالًا، والكثير منها أقلُّ من ذلك بكثير، والحياة في عمومها من نقل وأكل وتسوُّق رخيصة للغاية، فوجبة غداء دسمة في مطعم فاخر لخمسة أشخاص لا تزيد عن ثمانية ريالات عُمانيَّة. سعود بن علي الحارثي[email protected]