محمد بن سعيد الفطيسي:
بغضِّ النظر عن اختلاف مكوِّنات الدولة وتنظيمها عن مكوِّنات المؤسسات والشركات أو المنظمات، ومهما اختلفت طبيعة العلاقة الحاكمة أو الخدمات التي تقدمها مؤسسات القطاع العام للمواطن والمقيم والعاملين أو المستفيدين من خدمات الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، فإن مقاربة عملية أو بمعادلة بسيطة يمكن التأكيد على وجود تشابه إلى حدٍّ بعيد بين مكوِّنات الحكومة وطبيعة عملها وطبيعة عمل الشركة أو المؤسسة، بالإضافة إلى وجود مقاربة أو تشابه بين الاستراتيجية الإعلامية للحكومة إذا ما اعتبرناها من جانب ما شركة أو مؤسسة خدمات وبين الاستراتيجيات الأساسية لمؤسسات القطاع الخاص العاملة على تقديم الخدمات.
فكلاهما من ناحية ما يقدم خدمة لمستفيد أو عميل، وكلاهما من ناحية ما يتلقى مقابل تلك الخدمة مقابل مهما اختلفت طبيعته وحجمه، وكلاهما يتأثر بنظرة المستفيد إلى الخدمة المقدمة، بل الأخطر أن الحكومة تتأثر بشكل أكبر بوجهة نظر المستفيد (المواطن والمقيم) مقابل ما يحدث في الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، حيث تملك هذه الأخيرة المرونة الكافية والسرعة المطلوبة لتغيير الاستراتيجية ومواكبة التغيير بما يحقق مصلحتها في مواجهة المستفيد، بينما لا تملك الحكومة هذه المرونة أو السرعة دائما لأسباب عديدة ومختلفة يقع على رأسها البيروقراطية أما الرأي العام الداخلي ولا حتى في مواجهة الرأي العام الدولي.
وقد تحدثنا في دراسات سابقة(1) حول التوجُّهات المعاصرة لحركات الإصلاح الإداري لمؤسسات القطاع العام وكيف تجري بقوة وانتشار في مختلف أرجاء العالم حيث تم استخدام وسائل وأدوات واستراتيجيات إصلاح الإدارة لإعادة تشكيل دور الدولة وعلاقتها بالمواطنين، والتي تم اختصارها في (6 خصائص) هي: الإنتاجية والتحول إلى أسلوب السوق والتوجُّه للخدمة واللامركزية والسياسة والمسؤولية عن الإنتاج.
على ضوء ذلك نطرح الأسئلة الآتية: ما الدور الذي يجب أن تلعبه مختلف وسائل الإعلام الرسمية فيما يتعلق بتحسين الصورة الذهنية للحكومة أمام الرأي العام الوطني؟ كيف يمكن للإعلام الرسمي أن يتعامل مع مختلف القضايا التي تؤثر على جانب العلاقة والاستقرار بين الرأي العام والحكومة؟ ما أهمية تحسين الصورة الذهنية للحكومة في تعزيز مكانة الدولة في الحياة الوطنية؟ هذه الأسئلة وغيرها يفترض أن تكون إجاباتها حاضرة وجاهزة ضمن الاستراتيجية الإعلامية الوطنية. والأهم أن تكون تلك الاستراتيجية حاضرة ومطبقة منذ سنوات طويلة ويتم تقييمها بشكل مستمر في إطار مختلف المقاربات والاستراتيجيات الوطنية.
حيث تعد الصورة الذهنية وهي "محصلة عدة تجارب حسية تترسب في وجدان الجماهير فجأة تجاه أي كيان له اتصال بهذه الجماهير، سواء كان فردا أو منظمة أو دولة، وعادة ما يقترن الحديث عن الصورة الذهنية بعمليات التأثير الإعلامي التي يبذلها طرف ما لتكريس صورة ذهنية معينة أو تعديل صورة مشوهة أو غير ذلك"(2)، وللصورة الذهنية تعريفات عديدة منها أنها "مجموعة التجارب الحسية التي تترسب في وجدان الجماهير تجاه أي كيان له اتصال بهذه الجماهير، سواء كان فردا أو منظمة خلال فترة طويلة من الزمن وهي التعبير عن الواقع، سواء كان صحيحا أو غير ذلك وتظهر كلما استدعاها مثير ما يرتبط بهذه التجارب"(3)
لذا تنقسم الاستراتيجية المتعلقة بتحسين الصورة الذهنية إلى استراتيجية تتركز على الداخل الوطني، وأخرى موجَّهة إلى الخارج الدولي، وثالثة تربط الداخل بالخارج والعكس، ويعود ذلك إلى اختلاف القضايا وتأثيرها على الاستقرار والأمن ومدى أهميتها والشرائح المرتبطة بها.
والأهم من وجود استراتيجية إعلامية شكلية أو نظرية دعائية هو الجانب العملي التطبيقي، ويمكن التأكد من نجاح أو فشل أو ضعف الاستراتيجية الإعلامية فيما يتعلق بتحسين الصورة الذهنية من خلال التأثير والأدوار والشراكة الإيجابية التي تلعبها عمليا في الحياة الوطنية، خصوصا في جوانب تحسين العلاقة بين مؤسسات الدولة والرأي العام، يضاف إلى ذلك قدرتها على احتواء أو على أقل تقدير التقليل من تأثير التحديات والمشاكل التي تواجهها مؤسسات الدولة، خصوصا المؤسسات الخدمية في علاقتها مع الجمهور أو المستهلك، وفي المشهد الخارجي أو الداخلي تحقيق ذلك الدور القائم على التصدي لكل ما يمكن أن يؤثر على السمعة والمكانة الوطنية في مواجهة الرأي العام الدولي، خصوصا الإشاعات أو محاولات الاستعمار أو الاختراق الثقافي والفكري.
إذًا تُعد مسألة تحسين الصورة الذهنية للحكومة مسألة غاية في الأهمية، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحكومة أو مؤسساتها العامة لا تقدم خدماتها بشكل جيد أو صحيح. لذا تقوم بتحسين صورتها الذهنية في أذهان من تقدم لهم خدماتها، فمسألة تحسين الصورة الذهنية للمؤسسات بوجه عام ضرورة غاية في الأهمية، فهي تزيد من ثقة الجمهور بتلك المؤسسة، كما أنها ترسِّخ مبادئ وقِيَمًا طيبة في الذهنية الشعبية كالاهتمام بالمواطنين ومحاولة التقارب منهم وكسب رضاهم.
وتأخذ في جانب القطاع العام من الأبعاد والعمق ما هو أكبر بكثير من البعد المجتمعي المباشر أو العقلية الجماهيرية والشعبية أو مسألة تحسين خدمة أو تقديمها للمواطنين، فهي قضية مؤسساتية سياسية وأمنية ونفسية واقتصادية وغير ذلك الكثير، ويتضح ذلك بشكل واضح في نتائج وانعكاسات ما تتسبب به الصورة الذهنية السيئة أو الفكرة المغلوطة المسبقة أو الإشاعة غير الصحيحة عن تلك المؤسسة أو القائمين عليها في أذهان المجتمع من الناحية الأمنية والنفسية خصوصا، وانعكاسات ذلك على ثقة المواطنين في نظام الحكم بشكل عام، وبمؤسسات الدولة من جهة أخرى بوجه خاص.
وعند الحديث عن مستقبل الاستراتيجية الإعلامية الوطنية المتعلقة بجوانب تحسين الصورة الذهنية تحديدا، فإن من المهم والضروري إعادة النظر في كل ما يتعلق بمستقبل التقنيات والأدوات والقوانين المنظمة والمستخدمة لتحقيق ذلك الهدف الخاص، حيث ـ وكما نعلم ـ إن وسائل الإعلام قد تغيرت بشكل جذري في العصر الرقمي، فلم تعد مقتصرة على وسائل الإعلام التقليدي، بل ظهرت اليوم أدوات وتقنيات ووسائل إعلامية جديدة مثل الإعلام الإلكتروني ووسائط التواصل الاجتماعي والتي تحتم على الحكومة بمختلف مؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة المعنية والمسؤولة عن الإعلام الاهتمام بها والعمل على استغلالها بشكل منهجي فيما يتعلق بتحسين الصورة الذهنية.
عليه، يمكن التأكيد بأن جزءا كبيرا من مستقبل الدول (استقرارها، مكانتها) في الداخل الوطني والخارج الدولي مرتبط أو سيعتمد على أداء وسائل إعلامها، خصوصا الرسمية منها وفي الكيفية التي ستتعامل بها تلك الأدوات والتقنيات والوسائل مع قضايا الدولة وتحدياتها وعلاقة مؤسساتها بالرأي العام، خصوصا المؤسسات الخدمية منها، تحديدا دور الاستراتيجية الإعلامية.
لذا "تستخدم الوسائل الإعلامية بمختلف أنواعها الصورة الذهنية للتعبير عن وجهة نظر معيَّنة، سواء تعلقت هذه الصور بالأشخاص، المؤسسات، الدول والمجتمعات، وكثيرا ما تنجح في ذلك من خلال ترسيخ تصور معيَّن أو إلغائه أو تغيره من السلبي إلى الإيجابي أو العكس، لا سيما وأن الإعلام في عصرنا الحالي أصبح المحرك الأساسي لمجريات الأحداث الدولية وعاملا لنشر الأفكار في المجالات المختلفة، وقد وصلت الدول الكبرى في العالم إلى ما هي عليه اليوم بفضل توظيفها لوسائل الإعلام كأسلوب لخدمة مصالحها ونشر سياساتها على المستوى الداخلي والخارجي"(4)
على ضوء ما سبق نؤكد أهمية أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية للإعلام في سلطنة عُمان جانبا متخصصا في ما يتعلق بتحسين الصورة الذهنية، وأن يتم التركيز في هذا الجانب على كل ما من شأنه تعزيز مكانة الدولة ومؤسسات القطاع العام في مواجهة الرأي العام، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها تعزيز جوانب الثقة وتحسين أداء الحكومة وتمكين الأداء في تقديم الخدمات، يضاف إلى ذلك العمل التكاملي بين جوانب تحسين الصورة الذهنية في البيئة الداخلية وتلك المتعلقة بالجانب الدولي، وأن يتم العمل على هذه الاستراتيجية وفق منهجية مدروسة وآليات واضحة وتقنيات وأدوات تواكب المتغيرات في العصر الرقمي.
ـــــــــــــــــــ
مراجع
1- راجع على سبيل المثال: ارتباط الإصلاح السياسي بتطوير السياسات العامة وتحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية، صحيفة الوطن العمانية، تاريخ النشر 23 يناير 2022 على الرابط: https://alwatan.com/details/453599، أيضا: دور الإصلاح السياسي في تطوير السياسات العامة وتحسين مستوى أداء الأجهزة الحكومية، مجلة الباحث الأكاديمي في العلوم القانونية السياسية، الجزائر، ع(8) مارس/ 2022 ص 97-122
2-د. نواف التميمي، الدبلوماسية العامة وتكوين السمة الوطنية، مركز الجزيرة للدراسات، قطر، أوراق الجزيرة (27)، ط1/ 2012
3- أحمد الدسوقي، الصورة الذهنية لرجل الشرطة لدى الرأي العام المصري، ورقة عمل مقدمة في إحدى دورات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نقلا عن: عبدالله الفرا، دور الصورة الذهنية للمنظمات الأهلية في بناء العلاقة الاستراتيجية مع جمهور المستفيدين، دراسة للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، كلية التجارة/الجامعة الإسلامية بغزة، 2018
4- د. نفيسة نايلي، دور وسائل الإعلام في صناعة الصورة الذهنية، مجلة الحكمة للدراسات الإعلامية والاتصالية، المجلد(2) عدد نوفمبر 2014 ص 6-37 على الرابط: https://www.asjp.cerist.dz/en/article/179105