د. يوسف بن علي الملَّا :
منذ بدء الخليقة وتكوين أسرة كان إنجاب الأطفال وما زال حلم كل زوجين، ولكن بين الفينة والأخرى قد تلاحظ عددًا من الأشخاص يمرون من حولك وهم كل يوم يحملون شعلة مستعرة وألمًا في الداخل لدرجة أنهم بالكاد يستطيعون احتواءه؟ للأسف بالنسبة لأولئك الأشخاص فإن العقم هي تلك النار المشتعلة. فبالنسبة لكلا الزوجين، يعتبر العقم أزمة معقدة، وعادة ما تكون مهددة نفسيًّا ومرهقة عاطفيًّا وصعبة ماليًّا، ومؤلمة جسديًّا في معظم الأوقات بسبب العمليات التشخيصية والعلاجية التي يتم الخضوع لها، بالنظر إلى أنها تؤثر على 10-15 في المائة من الأزواج في سن الإنجاب.
وهذا يقودنا إلى إدراك أن أسباب العقم تتنوع على نطاق واسع بين الرجال والنساء، فليس على المجتمع أن يتسبب بعض الأحيان بتطفله على الزوجين لزيادة ضغوطاتهم النفسية، أو لوم الزوجة مثلًا حتى يصبح محور حياتها الوحيد فقط الإنجاب، ولكن الأحرى أن نعي أن أسباب تأخر الإنجاب أو العقم قد يصيب أحد الزوجين، أو قد يكون السبب نتيجة عوامل مشتركة بين الزوجين معًا! مع العلم أنه قد تكون نسبة العقم عند النساء أكبر منها عند الرجال، فبنسبة 60 في المائة يكون سبب عدم الإنجاب أو تأخره من المرأة نتيجة ضعف التبويض أو انغلاق الأنابيب (قناة فالوب) مثلًا، بينما 30 في المائة يكون السبب عند الرجل نتيجة قلة الحيوانات المنوية أو انعدامها، أو تشوهات فيها وقلة حركتها، كما أن هناك 10 في المائة من الحالات يكون العقم فيها بدون سبب واضح!
لذلك لا تقتصر العوامل المسببة للعقم على العوامل الطبية، ولكنها تمتد إلى العوامل النفسية أيضًا. فيمكن إدراج الدوافع العاطفية للعقم عند النساء على أنها مثلا انقطاع الإباضة، والتشنج المهبلي على سبيل المثال. من ناحية أخرى، هنالك عدد من القواسم النفسية المشتركة بين النساء المصابات بالعقم، وذلك جلي حيث إن بعض النساء يبدو أنهن يرغبن بشدة في الحمل والتعبير عن رغباتهن شفهيًّا، إلَّا أنهن قد يخفين في أعماقهن وجهات سلبية وخوفًا من الحمل، وقد تنشأ هذه المخاوف من الحمل أو الولادة وربما أيضًا الأمومة. ولعل من بين بعض الأسباب الكامنة المحتملة، خوف المرأة من سوء شكل الجسم بسبب الحمل، أو الخوف من فقدان حياتها أو الطفل أثناء الولادة، أو الخوف من الفشل بأن تكون أُمًّا جيدة. أما إذا ذهبنا للزوج أو الرجل، فضعف الانتصاب والقذف من الأسباب الجذرية للعقم النفسي. إضافة إلى ذلك، وكما هو الحال بالنسبة للنساء، يمكن للرجال أيضًا تجنب الجماع عن غير قصد.
من ناحية أخرى يجب أن أذكِّر الزوجين، أن العقم أكبر من موضوع الأطفال. ولعلي أقول هذا، لأنني أريد أن يفهم الناس كيف أنه يؤثر على الصحة الجسدية والعقلية بطريقة سيئة وأحيانًا دائمة. وبكل تأكيد بعض الأحيان تمر الزوجة أو الزوج بخيبة الأمل مع الفحوصات المستمرة والاختبارات، ولا توجد طريقة لوصف الألم الهائل المرتبط بمحاولة ـ وفشل ـ في بناء حياة وعائلة جديدة مع حزمة الفرح الخاصة بهم، مع كل تلك المحاولات.
وبالتالي عندما يفشل الزوجان في الإنجاب على الرغم من رغبتهما الجارفة، فإنهما يشعران أنهما لا يؤديان دور الأسرة. فيؤدي الفشل في الإنجاب ربما إلى شعور الأزواج بأنهم خاسرون وذلك من خلال التأثير سلبًا على الحياة الاجتماعية والمزاج والحياة الزوجية والخطط المستقبلية، واحترام الذات. وهنا للأسف ـ كما نسمع ونتابع ـ يتحول العقم إلى أزمة حياة معقدة! فنلاحظ ردود الفعل الشخصية ضد العقم هي الارتباك والإنكار والغضب والعزلة الاجتماعية عند البعض. فتتطور المرحلة الأولى النفسية لشعور الأزواج نتيجة العلم بمشكلة الإنجاب هي شعورهم بالصدمة والارتباك وعدم التصديق، ثم تتبع مرحلة الصدمة مرحلة الإنكار.
حقيقة ما يضعنا هنا وللتطرق لهكذا موضوع، هو إيجاد الحلول المساعدة والوقوف مع هكذا حالات خصوصًا أن التحدي النفسي الأصعب هو القلق، وبالنسبة للأزواج الذين فشلوا في العلاج، بكل أسف كان الاكتئاب هو العبء النفسي الأكبر، ناهيك أن بعض الدراسات ذهبت إلى أن بين النساء المصابات بالعقم، لوحظ هنالك مستوى مرتفعًا من الغضب وعدوانية أقوى، بينما أظهرت دراسات أخرى أن الغضب يمكن أن يتحول إلى الذات أو إلى الخارج مع الغير. وهذا يأخذنا أيضًا إلى التأكيد على أن المرضى الذين يخضعون لعلاج العقم، يمكن أن يؤدي عدم التوازن الهرموني في محور المبيض تحت المهاد أو الأدوية الهرمونية إلى اضطرابات المزاج والحالة النفسية السيئة لهكذا حالات.
وبشكل غير مفاجئ وفي كثير من الحالات كهذه، قد يتراشق الزوجان الكثير من المشاعر السلبية. ولأن العديد من الأزواج يختارون إبقاء معاناتهم من العقم سرًّا، فالنتيجة هي الكثير من الضغط على شخص واحد للحصول على الدعم، وهنا يجب التنبيه أنه على الزوجين التقارب والتعاون في مرحلة كهذه، فاللوم والاستياء يؤثر بسهولة على الأزواج الذين يخضعون لعلاج الخصوبة. فإذا كنتِ امرأة تخضعين لعلاجات الخصوبة، قد تشعرين مثلا بالاستياء بعد كل حقنة أو سحب دم أو اختبار حمل سلبي، أو إذا كانت العلاجات نتيجة تشخيصك بالعقم أو سببًا له، فقد تشعرين باللوم على الخلل الوظيفي في جسمك.
لذلك فإن الحصول على بعض الوعي بالمشكلات النفسية التي يعاني منها الأفراد، لا يساعد فقط في تكيُّف الأفراد المصابين بالعقم لتشخيص العقم وإجراءات العلاج، ولكن يمكن أيضًا أن يقلل من حدة ردود الفعل ضد العقم، خصوصًا وإن برز هنالك دعم مادي ومعنوي لهكذا حالات من مؤسسات المجتمع المدني الداعمة. لذلك أقترح على العيادات المتخصصة والمتابعة لهذه الحالات أن تحليل الأزواج المصابين بالعقم في سياق المؤشرات النفسية يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من بروتوكول علاج العقم بأكمله.
بالنهاية، لا يجب في حالة تأخر الإنجاب أو العقم أن يقابل الطبيب الزوجة بمعزل عن الزوج، فكلاهما شريكان في تكوين الأسرة وكلاهما شريك في الاستشارة الطبية، فالعلاقات الزوجية بكل تأكيد تبنى على المودة وليس على مكتسبات هي بيد الله. والحمد الله مع تطور العلم هنالك إجراءات طبية وتدخلات جراحية ناجعة تساعد على الإنجاب. وعلى الرغم من أن العقم قد يغير العلاقات المهمة في حياتك، فهناك فرصة لجعل هذه التغييرات تعمل لصالحك... وجزمًا لا يوجد هناك طريق طويل مع شريك جيد!

طبيب، مبتكر وكاتب طبي