[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]

آخر لقاء كان لي مع ذلك الصديق العزيز الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف لم يكن في موسكو ولا في اجتماعات الأمانة العامة لاتحاد كتاب آسيا وإفريقيا ومجلسه ومؤتمراته، بل كان في ربوع القفقاس، في مناطق ساحرة من تلك الربوع التي يطلق الروس على مناظرها وجمالها صفة الرومانسية الليرمنتوفية..

أرى أن ممّا ينبغي التركيز عليه والدفاع عنه وحمله بشجاعة واعتزاز، في هذه الظروف التي تحيط بنا جميعا، عربا ومسلمين على وجه التخصيص.. هو نضال شعوبنا التاريخي، في الوطن العربي والعالم الإسلامي، ضد الاستعمار القديم والجديد، وضد العدوان والاحتلال والقتل والتعذيب والاستبداد، ضد الهيمنة الأجنبية والنهب لأموالنا وثرواتنا وزجنا في حروب بالوكالة وحروب بينيَّة لصالح القوى العظمى التي تتصارع بنا وعلينا.. وأن نعمل من أجل استقلال فعلي تام، وسيادة ناجزة، وتحرير أرضنا وحرية مواطنينا، وأن نعتز برموزنا التاريخيين، قدماء ومعاصرين، من ساسة عادلين، ومناضلين مخلصين، ومفكرين وعلماء وأدباء ومبدعين، وأن ندافع عن تاريخنا ونحمل تراثنا مشعلا، وننظر بإيجابية لانتمائنا المشترك لحوض ثقافي متداخل ومتفاعل ومتواصل، ولمساهماتنا المتنوعة في الحضارة الإنسانية، ونؤكد أهمية القاسم المشترك الذي هو أحد مكونات هوية كل أمة من أممنا ألا وهو الدين/الإسلام الذي يتفاعل ويتكامل مع اللغة والبيئة والجغرافيا والعادات والتقاليد في تكوين هوية أقوام ليتعارفوا على أرضية المساواة، ويتمايزوا على أساس التقوى والمعرفة والفضل والفضيلة، وليس على أي أساس أو نزوعٍ للتمييز العنصري المقيت والتطرف القومي المريض.
ولا شك عندي في أن الآراء والرُّؤى لا تتوافق كليا على هذا الأمر، لكثرة ما عبث بنا العابثون وفُرضت علينا تبعيات فتعددت مشاربنا وافترقنا وتنافرنا وتعادينا.. لكن الوقائع ومجريات السياسات وضرورات المصالح والعلاقات والتواصل الأممي وتفاعلات القوة، كل ذلك وسواه يشير إلى أننا ينبغي أن نأخذ بمفهوم الكتلة المتماسكة ما دمنا لا نملك القوة الحامية الرادعة، لكي ندافع عن أنفسنا ومصالحنا وحقوقنا، ونتعاون وننهض، ونحقق أهداف شعوبنا بالعيش الحر الكريم والتعايش والتفاعل مع الآخرين بثقة واقتدار، وإقامة الثقة المتبادلة والاعتماد المتبادل بين الشعوب على درجة من الندية والاحترام.
ولا شك في أن هذا يحتاج إلى حوار بنَّاء فيما بيننا، حوار محكوم بالواقعية والموضوعية والوعي والانتماء للأمة والمصالح العليا والرؤى المستقبلية لشعوبنا في عالم يتغير بسرعة مذهلة ويتذَأبن بتوحش.. حوار مسؤول بنَّاء، في مناخ صحي فيه الاحترام والحرص على النهوض.. حوار أحرار مسؤولين يفضي إلى إنهاء التشتت والتعادي، ولجم التطرف والتشدد، ويؤدي إلى تقارب وتفاهم وتعاون بيننا وتقريب لوجهات النظر بين فاعلين مؤثرين في المجالات الحيوية لبلداننا وشعوبنا.
وفي سياق هذا التطلع، وربما من هذا المنطلق وفي إطار هذه الرؤية التي أشرت إليها آنفا، أستدعي ما كان لي مع صديقين لي لم أتفق مع نظرتهما وقدرت من تراجع منهما عمَّا رآه خطأ.. أحدهما محمد تراوري ديوب من السنغال الذي دافع عن لغة المستعمر لبلاده ووصفها باللغة الأم للسنغاليين، في مغالاة ليست منطقية ولا تقوم على أسس الأصالة والحقيقة، وهذا موقف ناتج عمَّا غرسه الاستعمار في تربية وتثقيف وأنفس الكثيرين ممن وقعوا تحت حكمه وتحكم بهم، وهو أمر ليس صحيحا وفيه ركوب لموجة غازية من جهة، ويحتاج إلى مثاقفة ومراجعة وشجاعة ليتغير الرأي وتتغير الرؤية ويؤول أصحابه إلى الحقيقة والأصالة والانتماء من جهة أخرى.. وقد سمعت من أصدقاء وزملاء عرب ما هو في هذا الإطار التبعي المتغلغل في ثقافتهم وتفكيرهم، فقد صرخ أحدهم في حوار بأنه لن يستبدل ديكارت بالمفكرين العرب والمسلمين، وسيأخذ بلغته وليس بالعربية.
أمَّا الصديق الثاني الذي لم أتفق مع نظرته في مرحلة، وأكبرت تحوله وشجاعته في مرحلة أخرى شهدت تحوله أو عودته إلى أصالته وانتمائه، فهو الشاعر الداغستاني المتميز المرحوم رسول حمزاتوف الذي سأتوقف عند مسيرته وتجربته في هذا المجال. لقد ظن حمزاتوف، في مرحلة من مراحل تكوينه الأيديولوجي والسياسي والحزبي، وعلى الأرجح حين وصل إلى عضوية مجلس السوفييت الأعلى ممثلا لبلده داغستان.. ظنَّ أنه كان ضحية تربية وجهل في بلده ومجتمعه جعلاه يرى الشيخ شامل بطلا قوميا أشاد به في قصائد له، ومن ثمَّ تحول عن ذلك ووصف الشيخ شامل بما أملته عليه الأيديولوجيا الحزبية والتبعية “الانضباطية” وما في حكمها، وبما أراد المنظرون الآخرون أن يصفه به.. فرآه عميلا للإنجليز وأداة للعثمانيين الذين يصر البعض على تضييق النظرة التاريخية إلى العالم الإسلامي في ظل سلطانهم وسلطتهم ليرى فيهم الأتراك فقط ويرى الدولة كلها حكما تركيا خالصا، في حين أن هذا الأمر يحتاج إلى تدقيق ولا ينطبق بالضرورة على كل المراحل في تاريخ الدولة العثمانية إلَّا في مراحل أخيرة. فهل تتوافق رؤية رسول حمزاتوف في تلك المرحلة من مراحل حياته وتفكيره ونظرته للشيخ شامل وحكمه عليه؟ هل تتوافق مع الحقائق التاريخية ومع رؤية الشعب الداغستاني والقفقاسيين، وهو شاعر الشعب الداغستاني والمبجَّل من شعوب القفقاس؟! وهل تتوافق رؤيته للشيخ شامل ولنضاله مع وقائع التاريخ وذاكرة الشعب ووجدانه؟! وهل نظرت شعوب القفقاس التي تعرضت لظلم القياصرة واحتلالهم وممارساتهم الفظيعة؟ هل نظرت للشيخ شامل هذه النظرة فرأوه عميلا للإنجليز وأداة عثمانية، وهو من مواطني الدولة العثمانية وممَّن حملوا راية الدفاع عن بلده في وجه العسف والقتل والفتك القيصري الذي سبب معاناة شعوب القفقاس وتشريد الكثيرين من أبنائه، وألحق القفقاس بروسيا؟!
في مراجعة شجاعة وجريئة تستحق التقدير، وتُحسب لحمزاتوف الشاعر والإنسان المنتمي لشعبه، انتماء الجبال الراسخة إلى داغستان بلده، وترفع قيمته، وتؤكد أصالته واعتزازه بانتمائه، قال رسول حمزاتوف:
“على الشاعر ألّا يكون ظلا لزمنه، حدث معي الأمر التالي: كان ذلك عندما قالوا لي إن بطلي شامل عميل إنجليزي تركي، وأعلنوا أنه لم يحارب من أجل حرية شعوب داغستان، وإنما أشعل الكراهية بين الشعوب، فكتبت القصائد التي تفضح شامل. لم أعرف التاريخ، ولم أفهم جوهر ما حدث، كنت أشبه في ذلك الجبليَّ الذي يتصفح القرآن وهو يجهل أي حرف من حروف الأبجدية العربية، ومع ذلك فهو يشعر بتجربة الفرح. فالشاعر لا يمكن أن يكون ظلا، لأن كلمة الشعر هي المنار دائما ومنبع الضوء، وإن كان هذا الضوء خافتا، فالضوء الخافت والقوي في آن لا يرمي الظلال.. الضوء يظل ضوءا. وفي الشعر عليك أن تكون نفسك. وحتى تستحوذ على الآخرين عليك أن تذهب داخل الشعر بمشاعرك الطيبة، فالشعر والمكر، الشعر والتخاذل، لا يلتقيان.”.. وتزداد قيمة هذا الموقف بأن حمزاتوف أعلنه وكتبه في العهد السوفييتي، في مقال له بعنوان: “أكتب في وقت واحد عدة أشياء”، ونشره في مجلة لوتس ص 169 ـ العدد 61، وهي المجلة التي كان يصدرها اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا بثلاث لغات الفرنسية والإنجليزية والعربية. وبتقديري أن هذا جاء نتيجة عدم انقطاع حمزاتوف عن مجتمعه، وعن نضج أكسبه إياه الاطلاع وتجواله في بلدان كثيرة وتفاعله مع كتاب وأدباء، وعن أصالة تربوية راسخة في أعماقه.. وهو يذكر حادثة ربما كان لها تأثير في هذا التحول يقول: “في ملتقى للشعر في بلجيكا قال شاعر: “أنا أمثل كل الأمم وكل البلدان، أمثل الشعر”.. فكرت بذلك وقلت: “نحن الشعراء مسؤولون عن العالم كله، لكن الذي لا يرتبط بجباله لا يمكنه أن يمثل العالم كله، إنه بالنسبة لي، أشبه أن يكون بإنسان غادر وطنه وتزوج هناك، ثم أخذ يدعو حماته أمه. أنا لست ضد الحموات لكنه لا أم إلا الأم.. حين تُسأل من أنت، يمكنك أن تقدم وثائقك، هويتك التي توجد فيها كل المعطيات الأساسية.. وإذا ما سئل شعب من يكون فالشعب يشير إلى العالِم، الكاتب، الفنان، المؤلف الموسيقي، رجل السياسة، القائد الذي أنجبه، ويعدّ كلا منهم وثيقة تدل عليه. على كل إنسان أن يفهم منذ صباه أنه أتى إلى هذا العالم لصبح ممثلا لشعبه، وعليه أن يكون مستعدا لتحمل أعباء هذه المهمة.”/ كتاب داغستان بلدي ص ٣١/ - ترجمة: عبد المعين الملوحي ويوسف حلاق ـ منشورات وزارة الثقافة في سوريا.
لقد أكبرت موقف حمزاتوف هذا، وهو صديق، التقينا أكثر من مرة في لقاءات ومؤتمرات في الاتحاد السوفييتي وخارجه. زارني في دمشق واستقبلته وزوجه، وعقدنا لقاءً له في اتحاد الكتاب العرب ألقى فيه بعض قصائده، وكان له حوار جيد مع الكتاب شمل شعره وكتابه “داغستان بلدي” الذي تُرجم إلى العربية ولقي قبولا وإقبالا وعُرف على أثره في بلادنا.
آخر لقاء كان لي مع ذلك الصديق العزيز الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف لم يكن في موسكو ولا في اجتماعات الأمانة العامة لاتحاد كتاب آسيا وإفريقيا ومجلسه ومؤتمراته، بل كان في ربوع القفقاس، في مناطق ساحرة من تلك الربوع التي يطلق الروس على مناظرها وجمالها صفة الرومانسية الليرمنتوفية نسبة للشاعر الروسي ليرمنتوف.. كان ذلك اللقاء في مدينتي فينيجورد وبيتيجورسك، حينها كان مشرق الوجه كعادته، تكاد ابتسامته تتحول إلى ضحكة بقسمات الوجه.. لقد فرحت بلقائه كما فرح هو بلقائي في تلك المنطقة الساحرة حيث جرى الاحتفال بالشاعر ليرمنتوف.. ختمنا في تلك بيتيجورسك اللقاء الاحتفالي في بيت البلدية، حيث حضر المحافظ، ومسؤولو الأقاليم والمدن، ووزِّعت هدايا على المشاركين، بعد تقديم ميدالية ليرمنتوف لكل من: رسول حمزاتوف وفلاديمير سكالوف الشاعر الذي توفي بعد أشهر قليلة من ذلك اللقاء، ولمترجم أعمال ليرمنتوف إلى العربية وهو من مكدونيا، وللمحافظ، ولذلك الشخص الذي كان وراء الاحتفال، وأسس مدرسة فريدة في بيتيجورسك “ليسيه” داخلية تضم (800) طالب وطالبة، وتعتبر أنموذجا للمدرسة المتقدمة علميا.. وأنموذجا من العمل الحضاري والعلمي في الإتقان والدقة والقدرة على تقديم خدمة نوعية للعلم والطلبة.
ولد رسول حمزاتوف في (8 سبتمبر 1923 - 3 نوفمبر 2003) في قرية تسادا في مقاطعة خونزاخ في جمهورية داغستان التي كانت جزءا من جمهورية روسيا السوفييتية، وتوفي في موسكو، وقضى معظم حياته في العاصمة الداغستانية محج قلعة. وهو ابن الشاعر الداغستاني المشهور حمزة تساداسا الذي وضع قريته نسبا له فعرف بحمزة تساداسا.. وقد تأثر رسول بوالده ولكن ليس إلى الحد الذي يجعله نسخة له، فقد كان له طريقه الخاص، كما كان لوالده بين أقرانه طريقه الخاص. “قرأ والد رسول حمزاتوف، قصيدة لابنه، فراح يعدل أبياتها بحسب طريقته. يقول حمزاتوف بأن أكثر تعديلات والده أفرحته وقبل بها، ولكنه لم يوافق على بعضها، وقال لأبيه: “لا شك أنك أكثر حكمة وأكبر سنا وأظهر نبوغا مني. ولكني شاعر من عصر آخر غير عصرك، ومن مدرسة غير مدرستك، ولي أذواق أدبية مختلفة، وأسلوب آخر، كل شيء بيننا مختلف. ألمح في هذه الإصلاحات الأسلوب الشعري لحمزة تساداسا، ولكني لست حمزة نفسه، أنا رسول حمزة. اسمح لي أن تكون لي طريقتي الخاصة، أسلوبي الذاتي.”.. ويذكر رسول أن والده كان يذهب إلى مركز المقاطعة من طريق جبلي خاص به، ليس هو طريق أهل قريته، وقد أراد أن يسلك الطريق الجبلي الخاص الذي كان يسلكه والده إلى بلدة “خونزاخ” فرآه أحد أهل قريته وقال له: “اترك طريق والدك لوالدك واسلك طريقا خاصا بك في هذا الجبال”، وكان ذلك، وثبت حمزاتوف ذلك في سلوكه وتفكيره وكان يكتب شعره بالآفارية لغة بلده وأشاد بها واعتبرها أمه، وكتب ينصح من يسيرون في ظلال الآخرين يقول: “لا تسرجوا أفكار الآخرين بل ابتكروا لأنفسكم أفكارا خاصة” (من كتاب داغستان بلدي ص ٥٨)
وانطبعت شخصيته بهذا التفرد إلى حد بعيد، وظل صلبا ومتفائلا وذا رأي.. وأبدى رأيه بشجاعة لمن أخذ عليه أن شعره لا ينسجم والخط السوفييتي - الشيوعي، فقال ما مفاده “شعري أكتبه أنا ولا يكتبه الحزب الشيوعي”، وانتقد المتشددين الأيديولوجيين وبيَّن خطرهم فقال: “يوجد أحيانا رفاق مشبعون بالأفكار والعقائد أكثر من اللازم، مثل هؤلاء الرفاق إنما يلحقون الأذى بالفكرة والعقيدة ذاتها.” (من كتاب داغستان بلدي ص ٣٨). وقبيل وفاته وصف مرحلة بداية تفكك الاتحاد السوفييتي وعهد التردي، قال: “ظهر في روسيا الآن ما سموه بالسوق، صارت البندورة أغلى من البشر، وصار بالإمكان شراء كل شيء الضمير والبطولة المهابة والجمال، الأرض والأم، كلها صارت سلعا، وتبدلت مواقف كثيرين، يمكن في الواقع للمرء أن يبدِّل قبعته، لكن لا يمكن لرجل شريف أن يبدل رأسه”.
وربما لهذا ولغيره من تفرده في سلوكه وآرائه أراد بعض الروس أن ينالوا منه، فأذكر أنه في مكتبه، وفي المدة التي تلت تفكك الاتحاد السوفييتي، عرض عليّ “ألغ” بعض الصور، ونحن ننتظر اكتمال الوافدين للمشاركة في اللقاء مع مسؤولي إدارة اتحاد كتاب روسيا، صورتان من أربع صور قدمهما لي، قاصدا أو غير قاصد، كانتا لرسول حمزاتوف وهو يشرب “الكوكا كولا”، والتركيز في الصورتين كان واضحا على العلبة “الشامخة” أمامه، كأنها حلم أو سفح جبل في داغستان. ولم يعلق “ ألغ” إلا بضحكة خبيثة وغمزة عين أكثر خبثا، عندما اتضحت لـه ملاحظتي، إذ قلت باسما باستفهام استنكاريٍّ: “حمزاتوف يشارك في الدعاية “للكوكا كولا” يا “ألغ”؟! عن حياته قال حمزاتوف: “حياتي كلها كانت مُسَوَّدة كنت أتمنى لو امتلكت الوقت لتصحيحها، إنها مُسَوَّدة كل ما فيها ينضح حكمة ومحبة”.. وكثيرون هم الذين لا يرون في حياتهم مواقف وأخطاءً تستحق التصحيح..


علي عقلة عرسان
كاتب وأديب سوري
[email protected]