ذكرنا في الحلقة السابقة أن الطلاق البائن بينونة كبرى هو : الطلاق الذي لا يملك فيه الزوج بعد إيقاعه أن يرجع زوجته إلى عصمة الزوجية إلاّ بعد أن تتزوج برجل آخر زواجاً صحيحاً، ويدخل بها الزوج الثاني دخولاً حقيقياً ثم يطلقها أو يموت عنها وتنقضي عدتها، أمّا الطلاق البائن بينونة صغرى فيمكن للزوج إرجاع زوجته إلى عصمة الزوجية بعقد وصداق جديدين، ورضا المرأة، وإذن الولي.
وسنذكر في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ الحالات التي يقع فيها الطلاق البائن بينونة كبرى وهي:
1 ـ الطلاق المكّمل للثلاث، اذا كان الطلاق مكملاً للثلاث فتبين الزوجة من زوجها بينونة كبرى أي تخرج من عصمته دون ان يكون له حق ارجاعها حتى تنكح زوجا غيره زواجا صحيحا لا تدليس فيه، يقول الله عزوجل:(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) .. فقد أفادت الآية الكريمة أنه بعد الطلقة الثالثة لا تحل الزوجة لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً شرعاً، فإن كان نكاحاً باطلاً كالنكاح المؤقت أو يتزوجها الثاني بقصد أن ترجع للزوج الأول فلا يعتد بهذا الزواج ولا تحل المرأة بهذا النكاح للزوج الأول.
كما يشترط في الزواج الثاني الدخول الحقيقي، فإن لم يدخل الزوج الثاني كأن طلقها أو توفي عنها قبل الدخول فلا تحل لزوجها الأول، لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) لامرأة رفاعة:(لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته).
وقد نصت المادة (87/2) من قانون الأحوال الشخصية: ب ـ (الطلاق البائن ببينونه كبرى لا تحل المطلقة بعده لمطلقها إلا بعد إنقضاء عدتها من زوج آخر، دخل بها دخولاً حقيقياً في زواج صحيح).
فقد أفاد هذا النص : أن المرأة المطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى لا تحل لمطلقها أ إلا بعد تتزوج من رجل آخر زواجاً صحيحاً ويدخل بها الزوج الثاني دخولا حقيقيا ثم يطلّقها أو يموت عنها وتنقضي عدتها، وعندئذ تحل لمطلقها الأول.
ولا يجوز الاتفاق على أن يكون الزواج من الثاني بقصد تحليلها للأول، فإن وقع كان الزواج الثاني باطلاً، وقد قضت المحكمة العليا على: إن إتفاق المطلق مع مطلقته البائنة منه بينونة كبرى على الرجوع إلى العشرة الزوجية أمر باطل، ولا يجوز شرعاً، وعلى المحكمة التعرض له من تلقاء نفسها، لأنه من النظام العام.
.. وللحديث بقية.

د/ محمد بن عبدالله الهاشمي
قاضي المحكمة العليا
رئيس محكمة الاستئناف بإبراء [email protected]