قلوبنا تتقطع أسى على فراق شهر رمضان لما لهذا الشهر من مكانة خاصة
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
قبل أيام ودعنا شهر رمضان المبارك والحزن والأسى يملآن قلوبنا على فراقه، كيف لا!! وقد كانت أيامه أحسن الأيام، ولياليه أحسن الليالي، وجدنا فيه السعادة والهناء، والفرح والسرور بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، وزيادة الإيمان في القلوب، فلله الحمد كثيراً، وله الشكر كثيراً على آلائه ونعمه وإحسانه وفضله.
إن قلوبنا تتقطع أسى على فراق شهر رمضان، وعيوننا تدمع حزناً على فراقه وذلك لما لهذا الشهر من مكانة خاصة في قلوبنا.. نقول بألسنتنا وقلوبنا: وداعا رمضان بلياليك المزهرة المضيئة بقراءة القرآن وبعذب القيام .. وداعا بنهارك المشرق بنور الصيام وصون الجوارح عن الذنوب والآثام .. وداعا بنسمات المغرب العليلة والأيدي مرفوعة صوب السماء تنتظر لحظة رفع الأذان لتلهج إلى الله بالدعاء وبالثناء إيذانا بانتهاء الصيام وفرحة الفطر من الرحيم الرحمن .. وداعا يا شهراً حوى ليلة فضلت على ألف شهر، سلام من مغربها حتى فجرها، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربها .. وداعا وقد لمستَ شغافَ قُلوبٍ ظمئا فرويَّتها، وأرواحاً قلقة فسكنتَّها، ونُفوساً حَيارى فطمأنْتَها .. وداعا وقد كنا نعد أيامك ولياليك، ونحسب العمر فيك لا بالأيام والساعات بل بالثواني واللحظات.
وهكذا تمر الأيام والشهور والسنوات على الإنسان ففي بداية هذا العام احتفلنا باستقبال العام الهجري الجديد ثم بعد أيام احتفلنا بمولد سيد الخلق سيدنا وحبيبنا وسيدنا محمد عليه أفضل وأزكى التسليم ثم كان الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج وبعد أيام استقبلنا شهر رمضان المبارك وهكذا يمر الوقت في حياتنا .
أخي القارئ: في هذا الموضوع سوف أتطرق إلى هذه النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان إنها نعمة الوقت، الوقت يسير على الإنسان في كلّ ظروفه نائماً وقائماً، سليماً ومريضاً، صغيراً وكبيراً، فهو لا يتوقّف عند أحد ولا يتوقف لظرف ما، وقد أوصانا ديننا الحنيف بحسن استغلال الوقت وتنظيمه بما يرضي الله عزوجل، فالوقت ينقضي ولا يبقى منه سوى الذكرى والأعمال التي تمّت خلاله.
أقسم الله تعالى بالوقت في كتابه الكريم، قال عز وجل:(والعصر، إن الإنسان لفي خسر)، وقال تعالى:(والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) .. ولا يقسم العظيم إلا بعظيم، فأولى الإسلام الوقت الكثير من الاهتمام لأنّ فيه تتمّ الأعمال الصالحة أو الطالحة ويحاسب العبد بناءً على هذه الأعمال، ويعلم مكانه في الآخرة.
أوجب الإسلام ملأ الوقت بالأعمال الجيّدة والإيجابية والتي تعود على الفرد بالمنفعة والخير مثل: أداء العبادات، وممارسة الرياضة، والقراءة فيما ينفع الأمة، حيث إنّه لا يوجد أخطر على الناس خاصّة الشباب من الفراغ لأنّه يؤدّي إلى اتّباع الطريق الخاطئة، ويستغل الشيطان هذا الفراغ ويجرّ الإنسان إلى طريق الفساد والمعاصي ويزيّنها في عينه، ويصغّر من إثمها فيضيع الإنسان، وينغمس في الشهوات والضلالات، وصدق الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) حين قال:(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحّة والفراغ) ـ (رواه البخاري).
يجب على الإنسان أن ينظّم وقته ويستغلّه؛ وأولى الخطوات هي تحديد هدف للسعي من أجل تحقيقه، فالعوم في هذه الحياة دون هدف توقِع الفرد في التخبط، وتداخل أمور حياته المختلفة مع بعضها، وقد يؤدّي به هذا إلى الشعور بالإحباط والتوتر والإكتئاب، والخطوة الأخرى هي تنظيم الوقت واستغلاله في اتباع الأسباب المشروعة التي قد توصل الى الهدف، كما يجب الإبتعاد عن أصدقاء السوء اللذين يضيعون وقتهم في اللهو واللعب واتباع المفاسد فالرفقة الصالحة تشجّع الفرد على استغلال الوقت بما يرضي الله عز وجل وكسب الحسنات التي تأتي يوم القيامة تثقل ميزانه.
ويجب أن لا ننسى ـ أخي القارئ ـ أنّ الإنسان سوف يُحاسب على كل لحظة من عمرة ماذا عمل بها لذلك يجب المحافظة على هذا الوقت للفوز بالجنة عند الحساب، ولا ينفع الندم على ما فات من وقت، فكم من شيخٍ كبير يتمنّى لو يرجع به العمر ليستغلّ وقته فيما ينفعه، ولكن يجب عدم ترك المجال للشيطان بأن يدخل من مداخل أنّ الوقت قد فات ولا ينفع الندم وإنّما كل لحظة يمكن البداية منها فلعلّ هذه اللحظة هي التي يبدأ فيها الإنسان تصويب أوضاعه هي المنقذة له.
فإنّ الزَّمان هو عنصر وجود الإنسان، وسبب بقائه، ووعاء عمره الّذي يُسطِّر فيه تاريخَه، ويَرقُم فيه إنجازاتِه، ويُخلِّد فيه مجدَه وذكرَه، ويُودِع في طيّاته أخبارَه وآثارَه؛ الّتي تتناقلُها من ورائه الأجيال، وتتحدَّث بها بعده الأيّام؛ بل هو مادّة حياة العبد الّتي يزرع فيها سعادتَه، أو يبوء فيها بشقاوتِه؛ كلّ ذلك بحسب اغتنامِه له، واستفادتِه منه.
ولهذا كان للوقت أهميّةٌ كبيرةٌ، ومنزلةٌ عاليةٌ جليلةٌ نوّهتْ بها أدلّةُ الوحيَيْن الكريمَيْن، ونطقتْ بها نصوصُ القرآنِ الكريمِ، وسنّةِ النّبيِّ ـ عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم ـ حيث امتنَّ الله تعالى بنعمة الوقت على عباده، فقال في محكم كتابه:(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم 33 ـ 34)، وأرشد النّبيُّ (صلى الله عليه وسلم) المسلم إلى شكر هذه النِّعمة الّتي أنعم الله بها عليه، واغتنامها في التقرب إليه، حتّى لا يكون من الخاسرين، ويوم القيامة من المغبونين؛ وذلك في قوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه البخاريُّ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ).
ولمّا علم السّلف الصالحون رحمهم الله تعالى أهميّة الوقت تتواترتْ كلماتُهم، وتتابعتْ أقوالهمُ في بيان عِظم شأنه، وجليل منزلته، وضرورة اغتنام العبد له فيما ينفعه، ويزيده قرباً من ربِّه، فرُوي عن أبي عبد الرّحمن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال:(ما نَدِمتُ على شيءٍ نَدَمِي على يومٍ غَرَبتْ شمسُه: نقَص فيه أجلي، ولم يزدَدْ فيه عملي)، وعن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ قال:(إنّ الليل والنهار يعملان فيك؛ فاعمَل فيهما)، وعن الحسن البصريِّ ـ رحمه الله ـ قال: أدركتُ أقواماً كانوا على أوقاتِهم أشدَّ منكم حرصاً على دراهمِكم ودنانيرِكم)، ومن كلام السّلف المأثور، وأقوالهم السّائرة:(مِن علامةِ المَقْتِ: إضاعةُ الوقت).
كما تتابعتْ نصائحُ العلماء ووصايا الحكماء في الحثّ على اغتنام الأنفاس واللّحظات، والأيّام والسّاعات فيما يرجع على العبد بالنفع والخيرات، ومن تلك الوصايا العظيمة: وصيّة الحافظ ابن الجوزيّ لولده أبي القاسم رحمهما الله تعالى حيث قال له:(واعلم يا بُنيّ أنّ الأيّام تبسط ساعاتٍ، وأنّ الساعاتِ تبسط أنفاساً، وكلُّ نَفَس خزانةٌ فاحذر أن تُذْهِب نَفَساً في غير شيء فترى يوم القيامة خزانةً فارغةً فتندَم!).