[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/tarekashkar.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]طارق أشقر [/author]
استدعت متابعتي لتطورات القرصنة الإلكترونية الخبيثة "فدية" التي تأثرت بها مئات الآلاف من أجهزة الحاسب الآلي في أكثر من مائة وخمسين دولة بمختلف أنحاء العالم، استدعت من ذاكرتي ما يمكن وصفه بالمتابعات الإنثربولوجية لحياة المجتمعات الرعوية في بلدان جنوب الصحراء الأفريقية، وما يتعرضون إليه من سرقات ليلية لممتلكاتهم من الأنعام كالأبقار والأغنام والجمال، ويضطرون إلى دفع أموال إلى من سرقوا بهائمهم بأسلوب للتسوية يعرف في تلك المجتمعات باسم "السالف"، وذلك عبر وسطاء بينهم وبين المعتدين على أنعامهم.
وبإسقاط ما يحدث حتى اليوم في المجتمعات الرعوية في دول جنوب الصحراء الأفريقية من عمليات "السالف" لإطلاق سراح الأبقار المسروقة، كونها من الحيوانات السريعة التي يسهل أن يقودها القراصنة ليلا في ساعات محدودة حتى الخروج بها من جغرافية المكان الذي يعيش فيه أصاحبها، وبإسقاط هذا الأسلوب على ما دار ليلتي الجمعة والسبت في أوروبا وآسيا وأميركا من عمليات اجتياح برامج وشبكات الحاسوب و"تهكيرها " وتشفير ملفاتها ثم يطالب القراصنة بمبلغ ثلاثمائة إلى ستمائة دولار أميركي "كفدية" يتم دفعها بعملة "البيتكوين" الافتراضية، يتضح من هذا الإسقاط والمقارنة بأنه بين "السالف" و "الفدية" تلتقي الرؤى وتختلف المفاهيم ووسائل التطبيق.
وفيما يتم دفع "السالف" في المجتمعات الرعوية التي يتسم رجالها باحترام كلمتهم حتى لو كانت ضد مصالحهم، الا انهم يلتزمون ما يتعهدون به للوسطاء من مبالغ مالية تساوي في الغالب قرابة نصف السعر الحقيقي لكافة رؤوس الأبقار المسروقة منهم، فإن "الفدية" التي يدفعها اصحاب ملفات شبكات الحاسوب تدفع نقدًا أيضا وعبر وسيط مستحدث ألا وهو عملة "البيتكوين" الافتراضي، الا انه في نهاية الأمر عملة لها مقابلها الحسابي من العملات النقدية الفعلية كون معادلتها تتم من خلال السحب والتحويل عبر بطاقات الائتمان.
وفي سياق هذه المقاربة يمكن تلمس التقاء الرؤى في العميليتن بأن كليهما ممارسة اجرامية يقوم بها بشر في بيئات متباينة ثقافيا، غير ان كلا الممارستين في نهاية المطاف يجمع بينهما وصمة العار التي تتلخص في سرقة حقوق الآخرين، سواء كانت الأبقار التي هي حق الرعاة الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى دفع مبلغ "السالف" إلى من سرقوا أبقارهم، أو أصحاب الملفات المهمة الذين يضطرون ايضا إلى دفع "الفدية" إلى القراصنة الذي اجتاحوا شبكاتهم وشفروها ... والرؤية في الحالتين سرقة ونصب واحتيال.
اما اختلاف المفاهيم بين (السالف) في المجتمعات الرعوية البسيطة ذات العلاقة المباشرة والارتباط القوي بين "السعية أو الحلال أو الأبقار" وبين صاحبها حيث الانطلاق والأريحية والشفافية في التخاطب والحياة الطبيعية الخالية من التكلف، ........... وبين مفهوم (الفدية الخبيثة) في المجتمعات ذات التواصل الإسفيري والاجتماعي، والحرص على "الباسورد" والرقم السري وسرية المعلومات والأرشفة الالكترونية وبرامج الحماية والتشفير الرمزي وتقنيات فك الشفرات والترصد والتعمق في التكلف وما إلى ذلك، نلاحظ بأن المفارقات بين تلك المفاهيم تكشف عن سنوات من عمليات التطور في "النمو المادي" والتطور التكنولوجي والاقتصادي والحضري والحضاري بين المجتمعين.
ولكن رغم ذلك – البون – الشاسع في مستويات التطور بين البيئات التي نشأ فيها قراصنة الانترنت أصحاب ثقافة (الفدية الخبيثة)، والبيئات التي نشأ فيها سارقو أبقار الرعاة اصحاب ثقافة (السالف)، الا ان ما يجمع بينهما هو عنصر "الإنسان" ذلك الذي اختار وبحكم بيئته ان يكون "قرصانا" الكترونيا يطلب الفدية، أو متعدي على ابقار الرعاة يطلب السالف، وان القاسم المشترك بين كليهما ينبغي ان يكون "الأخلاق" ذلك الكل الذي لا يتجزأ، كونه قيمة انسانية عظيمة تنحني وتتلاشى أمامها كافة الفوارق في البيئات المكانية والمادية والخ.
وعليه، وكيفما كانت المجتمعات الرعوية تحتاج إلى المزيد من الحرص واقامة "الزرائب – اي الحظائر" العالية والمحصنة بأشواك فروع الشجر أو الحطب لصد المتعدين على الأبقار، وأن يبقى اصحابها متيقظين ليل نهار ليحموا ابقارهم، فإن العالم السيبرالي وشبكات الحاسوب تحتاج ايضا إلى المزيد من توظيف امكانيات وقدرات تقنيات المعلومات وبرامج الحماية وان تبقى الموارد البشرية العاملة في هذا المجال متواصلة في تطوير قدراتها في التحسب والتنبؤ ومواجهة هجمات القراصنة على الحواسيب والشبكات، ويبقى التسلح بالأخلاق والعلم والمهارات هو الأقوى والأقدر على الانتصار دائما.