يجب علينا كمسلمين بأن نحافظ على بعضنا البعض ومطالبين أن لا نتفرق والشعائر الدينية تعبر على اتحادنا كلمة "وطن" وإن لم ترد في القرآن بصيغتها فإن مدلولها الأساسي أو الجوهري ورد بيقين مع تنوع في الصيغالقاهرة ـ الوطن:الوطن ليس مجرد أرض يعيش عليها مجموعة من البشر معروفة بحدود جغرافية وتاريخية بل انه يتعدى تلك الحدود عند علماء الشريعة لأنه عندما يضيع بالاحتلال من العدو الخارجي او يضعف بالقتال الداخلي بين ابنائه نتيجة غيبة العدالة وسوء توزيع الدخول فانه لا تقام فيه مقاصد الشريعة ولا تؤدي فيه شعائر الدين بحرية لان الحفاظ على الاوطان هو الوجه الآخر لحفظ مقاصد الشرع الحنيف وهذا ما نحاول فهمه من علماء الشريعة في هذا التحقيق.ـ قوة الارتباط وصدق الانتماءفي البداية يقول الدكتور أحمد عبدالحي عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، لاشك أن حب الوطن من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان عليها، فليس غريبا أبدا أن يحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه، وشب على ثراه، وترعرع بين جنباته, كما أنه ليس غريباً أن يشعر الإنسان, بالحنين الصادق لوطنه عندما يغادره إلى مكان آخر، فما ذلك إلا دليل على قوة الارتباط وصدق الانتماء, فيجب علينا كمسلمين مطالبين بأن نحافظ علي بعضنا البعض, وأن نتحد ولا نتفرق ويجب ان نعلم ونؤمن جميعاً كمسلمين, أن الشعائر الدينية في مضمونها تعبر علي اتحادنا كمسلمين, ويجب أن نتجنب الأمور التي تؤدي إلي أي خلاف, وديننا الحنيف طالبنا بالتعصب للإسلام ولم يطالبنا بالتعصب في الإسلام لأن الفرق بينهم شاسع, فالمذهبية والتفرقة والعصبية والقبلية نبذها الإسلام بل نهي عنها, فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة تطالب منا البعد عن الاختلاف الذي يؤدي إلي الخلاف فينتج عنه البعد عن بعضنا ويزيد البغضاء والشحناء فينتج عنها عدم الولاء للجماعة وبالتالي يضيع الانتماء للوطن.ويوضح عبدالحي أن مقاصد الشريعة الإسلامية الخمس وهي حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال كي يتم المحافظة عليها لابد من وجود قوة واتحاد علي أرض مملوكة لنا وتحتوينا وهذا لا يتأتى إلا بوجود وطن ننتمي إليه ونحافظ عليه مصداق لقوله تعالي(لذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) سورة الحج.ـ نعمة من الله نحيا عليهوفي السياق نفسه يضيف الدكتور سيف قزامل عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا سابقا ان كلمة وطن وإن لم ترد في القرآن بصيغتها فإن مدلولها أو مفهومها الأساسي أو الجوهري ورد بيقين مع تنوع في الصيغ التعبيرية أو اللفظية كقوله تعالى:(والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم) ـ سورة الحشر, وقوله تعالى:(وعد الله آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستحلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ـ سورة النور, ومن هنا يتضح ان الوطن نعمة من الله نحيا عليه وننشأ ونعيش بين جنباته صغاراً ثم شباباً ثم شيوخاً بين أهالينا وأقاربنا وجيراننا متقلبين مع أحوال الوطن نشعر بالسعادة تارة وأخرى بالتعب والكد, يقول المولى سبحانه وتعالى:(هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) ـ سورة هود، وسخر سبحانه وتعالي كل ما على الأرض خدمة للإنسان ليسعد وينعم مع أخيه الإنسان.ويكمل قزامل ان مقاصد الشريعة الخمس تحفظ بحفظ الوطن وتضيع بضياعه فلا حفظ للدين بدون حفظ الوطن عندما يحتله عدو او تذهب قوة الجماعة الوطنية بالحروب والتشاحن والتباغض عندئذ لا يستطيع المواطنون ممارسة واقامة شعائر الدين بحرية , وتقوي الجماعة الوطنية بالاعتصام بحبل الله والتمسك بتعاليم دينه الخاتم ,ولا حفظ للعقول بضياع الوطن اذ الوطن ليس مجرد حدود جغرافية فحسب , وانما حكومة تحمي ابناءه ومقدراته وتدبر شؤون مواطنيه وتقضي بالعدل بينهم ,حتي لا يأخذ القوي حقوق الضعفاء ,وكذلك النسل وصيانته لا تحقق الا في ظل دولة قوية تعمل مؤسساتها بشكل متسق مع اهداف المقاصد الخمس للشريعة, وكذلك العرض لا يحفظ الا في حدود وطن قوي وتحت امرة سلطان عادل فلا حفظ لعرض امة يحتلها عدو او تسيطر عليها مجموعات ارهابية او قطاع طرق ,وكذلك المال لا تكتمل دائرة دورانه في الحياة ,ولا يؤدي اهدافه التي جعل من اجلها, من بيع وشراء وتجارة وتنمية ,الا في ظل وطن تحكمه حكومة مركزية, تنفذ القوانين على ابنائه وتحترم المعاهدات مع الاوطان الأخرى.ـ تحبه القلوب وتهواه الأفئدةويقول الدكتور أحمد الشرقاوي الاستاذ بكلية الشريعة والقانون وعضو اللجنة القانونية بمجمع البحوث الإسلامية كي يتحقق حب الوطن عند الإنسان لا بد من تحقق صدق الانتماء إلى الدين أولا، ثم الوطن ثانياً، إذ إن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث الإنسان على حب الوطن, ولعل خير دليل على ذلك ما صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه وقف يخاطب مكة المكرمة مودعا لها وهي وطنه الذي أخرج منه، فقد روي عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمكة:(ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) ولولا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو معلم البشرية، يحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظا تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر, فوعده الحق سبحانه وتعالي علي عودته لها مرة ثانية لقوله تعالى:(إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) ـ سورة القصص .. ورغم ذلك نجده (صلى الله عليه وسلم) عند فتح مكة كان حريص كل الحرص علي عدم إراقة أي قطرة دم لأي من سكان مكة رغم انهم لم يأمنوا بعد كل هذا دليل علي انتمائه وحبه لوطنه مكة المكرمة ليعلم البشرية ان حب الوطن دليل علي الفطرة السلمية.