الأحد 27 سبتمبر 2026 م - 15 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : عُمان وصوت الحكمة فـي عالم مضطرب

الأحد - 27 سبتمبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

حين وقفتْ سلطنة عُمان أمام الجمعيَّة العامَّة للأُمم المُتَّحدة، عرَضتْ موقفًا من الأزمات المتلاحقة، وقدَّمتْ رؤية لِدَوْر الدَّولة التي تعرف قِيمة الاستقرار، وتدرك أنَّ مسؤوليَّتها تجاه منطقتها تتجاوز حدودها الجغرافيَّة. فالدَّعوة العُمانيَّة إلى الحوار تستند إلى خبرة سياسيَّة جعلت من بناء الثقة أساسًا للتعامل مع الخلافات، ومن احترام السيادة والقانون الدولي قاعدةً تحمي الجميع من تغلُّب القوَّة على الحقِّ. وتزداد قِيمة الصوت العُماني في وقت تختبر فيه قدرة المُجتمع الدولي على منع الحروب واحتواء آثارها؛ إذ تمنح سلطنة عُمان الأولويَّة للمسارات التي تبقي أبواب التفاهم مفتوحة، وتمنح الشعوب فرصةً لتوجيه مواردها نحو التنمية عوضًا عن استنزافها في النزاعات.

ولعلَّ التحذير العُماني من تداعيات التصعيد في المنطقة يكشف عُمق قراءة السلطنة للصِّلة بين أمن الجوار واستقرار العالم؛ فقد أظهرت الأحداث أنَّ تهديد الملاحة في مضيق هرمز يمتدُّ سريعًا إلى التجارة وأمن الطاقة والأسعار، لِيصلَ أثَره إلى دول بعيدة عن ساحة المواجهة. ومن هنا تحمل مساعي سلطنة عُمان لصونِ الملاحة في المضيق معنًى يتجاوز حماية ممرٍّ حيوي؛ إنَّها تعبير عن دولة تتعامل مع موقعها الجغرافي باعتباره مسؤوليَّة، وتسعى إلى مراعاة مصالح جميع المستفيدين منه وفق القانون الدولي. وتكتمل تلك المسؤوليَّة بتضامنها الواضح مع دول الجوار في حماية أمنها وسيادتها، وبِحَثِّ الأطراف المعنيَّة على ضبط النفْس وتسوية خلافاتها؛ فالقوَّة الحقيقيَّة للموقف العُماني تظهر في قدرته على الجمع بين صلابة المبادئ وسعة الأفق السياسي.

إنَّ تجديد الدَّعم العُماني لحلٍّ سياسي في اليمن، والتأكيد الواضح على حقوق الشَّعب الفلسطيني، يبرزان أنَّ حديث السلطنة عن الحوار يقترن بمواقف مُحدَّدة تجاه قضايا المنطقة. ففي اليمن، تنظر عُمان إلى التسوية من زاوية وحدة البلاد وكرامة أبنائها وعلاقاتها الآمنة مع جيرانها؛ وهي عناصر تمنح أيَّ اتفاق فرصةً للبقاء بعد توقُّف القتال. وفي فلسطين، تضع حقوق الشَّعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وحلَّ الدّولتين في موضعها من معادلة السَّلام؛ إدراكًا لحقيقة أنَّ تجاوز أصلِ القضيَّة يُبقي جذور التوتُّر قائمة. وتحظى هذه المواقف باحترام واسع؛ لأنَّها تُعبِّر عن نهج عُماني متَّسق، يرفض الاعتداءات والانتهاكات، ويحرص على أن تقودَ الجهود السياسيَّة إلى سلام عادل يمكن للشعوب أن تعيشَ ثماره.

وتبلغ الرُّؤية العُمانيَّة مداها حين تنتقل من معالجة النزاعات إلى مواجهة ما يغذِّيها، ومن حفظ الاستقرار إلى بناء ما يجعله مستدامًا. فـ«خطَّة مسقط» لمواجهة خِطاب الكراهية والتحريض، واستضافة فعاليَّة اليوم الدولي للتسامح، تُقدِّمان إسهامًا عُمانيًّا في حماية المُجتمعات من الأفكار التي تُمهِّد للعنف. وعلى المسار نفسه، تحمل رؤية «عُمان 2040» وبرامج تمكين المرأة والتحوُّل نحو اقتصاد منخفض الكربون رسالةً تُؤكِّد أنَّ ازدهار الإنسان جزء أصيل من أمْنِه. هكذا قدَّمت سلطنة عُمان أمام العالم صورةً لدولةٍ تعمل بهدوء وثبات، وتملك الشجاعة لِتقولَ إنَّ السَّلام يحتاج إلى عدالة، وإنَّ الحوار يحتاج إلى إرادة، وإنَّ التنمية هي الثمرة التي ينبغي أن تصلَ إلى النَّاس.