الأحد 27 سبتمبر 2026 م - 15 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : ذكاء «السوشيال ميديا»

نبض المجتمع : ذكاء «السوشيال ميديا»
الأحد - 27 سبتمبر 2026 02:54 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

أحقر ما تقدِّمه (السوشيال ميديا) في غالبيَّة برامجها هو أنَّها لا تقدِّم الحقيقة، بل تزيِّفها وتغلِّفها بغلاف جذَّاب لِتظهرَ بأنَّها حقيقة متكاملة ومثاليَّة، وهي عكس ذلك. وهذا ما نراه ونشاهده في استعراضات أبطالها لحياتهم الشخصيَّة، والتي يصوِّرونها بمثاليَّة زائفة. كنتُ أتابع بائع ساعات راقية يتحدث عن (بلوجر) زارته في محلِّه، وأخذت ساعة ثمينة لنفْسِها، ولكن طلبتْ منه مع السَّاعة أن يضعَ بطاقة تهنئة من زوجها على أساس أنَّه هو مَن قدَّم لها السَّاعة، وكتبتْ بنفسها الكلمات التي يُعبِّر بها الزوج عن مدى حُبِّه وتعلُّقه بها. بعدها ظهرتْ في مقطع فيديو تصوِّر تلك الهديَّة الباهظة الثَّمَن، وتدَّعي بأنَّ زوجها هو مَن أهداها لها. كما تستعرض تلك الكلمات الجميلة والغزليَّة التي تدَّعي أنَّ الزوج كتَبَها لها بمناسبة عيد ميلادها، والزوج لا عِلْمَ له بالموضوع. كلُّ ذلك من أجلِ ماذا؟ من أجلِ أن تصوِّرَ لمتابعيها بأنَّها تعيش في سعادة غامرة، وأنَّها تمتلك زوجًا لا يتوانى أن يتذكرَها في كل مناسبة، وأنَّه يغدق عليها الهدايا الثمينة في سبيل كسب رضاها.

هذا المشهد يعطينا صورةً واضحةً وجليَّة عن حقيقة ما نشاهده من فيديوهات تصوِّر حياة هؤلاء الذين تتمُّ متابعتهم في برامج (السوشيال ميديا)؛ واقع يختلف تمامًا عمَّا يدَّعونه في مقاطعهم. يتصنَّعُون السَّعادة الزَائفة، يتصنَّعون الغِنى، يتصنَّعون الانسجام والترابط الزوجي. لماذا؟ لكي يظهروا بمنظر الشخص السعيد الذي يعيش حياة لا يمكن للآخرين أن يصلوا لها. والأدهى والأمَرُّ هنا: مَن أوصلَ هذه المُرَوِّجة إلى هذا؟ هم الأشخاص الذين يرون أنَّ مستواها أعلى من مستواهم؛ ذلك أن هذه (البلوجر) ترى أنَّ متابعيها لا يستطيعون شراء مثل هذه السَّاعة الباهظة الثَّمَن، والتي تدَّعي أنَّ زوجها اشتراها لها. فمُعْظم ما يجنيه هؤلاء هو من متابعات المغفَّلين الذين رضوا بأن يعاملوا بهذه الطريقة من خلال ما يقدِّمونه لها من متابعة ومشاهدة؛ فكل ذلك يصبُّ في النهاية لصالح هذه المشهورة.

الأمر لا يتوقف ـ للأسف ـ عند هذا الحدِّ؛ فتأثير كل هذا ينعكس في النهاية على المتابع الذي لا يتأثر فقط بموضوع المتابعة والمشاهدة وضياع الوقت والمال، بل ينعكس سلبًا على صحَّته النفسيَّة. فمَن يتابع مستوى المعيشة المزيَّف في مُعْظمه لدى هؤلاء، وأقصد بالمزيَّف هنا الجوانب النفسيَّة قَبل الماديَّة، لِيجدَ نفْسه في مقارنة غير متكافئة بين معيشة هؤلاء ومعيشته هو، ويبدأ بالمقارنات غير المتكافئة أساسًا. فكم زوجة ستُعاير زوجها لأنَّه لم يأتِ لها بهديَّة في عيد ميلادها كما فعل زوج تلك المشهورة، ناهيك عن موضوع قِيمتها؟ وكم امرأة شاهدت رحلات هؤلاء إلى مُدن العالم، وتابعت تغطياتهم وزياراتهم لمعالمها الجميلة ومقاهيها ومطاعمها، وتمنَّت أن تكونَ مثلهم، غير مدركة أنَّ غالبيَّتهم قد سافَرَ أساسًا للدعاية لشركة سياحيَّة معيَّنة دون أن يدفعَ ريالًا واحدًا، وأنَّ مَن أوصلَها لِيكونَ صاحب إعلانات هم أنْفُسهم الذين يتحسفون على أنَّهم لم يصلوا للمكان الذي وصل إليه المشهور الذي يتابعونه ويدعمونه بالـ(لايكات) صباحًا ومساءً.

إنَّ (السوشيال ميديا) ـ كما هي بواقعها المزيَّف الذي أشرنا له ـ هي أيضًا مجال رائع لاكتساب المعرفة والمهارات متى ما عرفنا إلى أين نوجِّه بوصلة متابعتنا، ومعيارنا الأساس هنا: إلى أيِّ مدى يقدِّم هذا المشهور محتوًى هادفًا أستطيع من خلاله أن أستفيدَ منه، سواء في المجال التقني أو مجال السَّفر أو العمل أو أيِّ مجال من مجالات الحياة؟ بمعنى آخر، لا أرى نفْسي في مواجهة للمقارنة الزائفة. فاستعراض الملابس والهدايا ماذا يُقدِّم لي؟ ماذا أستفيد؟ بل العكس رُبَّما يحدث، كما أشرنا. وبالتَّالي، يظلُّ من الذَّكاء المرتبط بـ(السوشيال ميديا)، ورُبَّما يمكن تصنيفه ضِمن أحد الذَّكاءات المرتبطة بنظريَّة الذَّكاءات المُتعدِّدة، هو كيف أختار مَن أتابع، بحيث لا تتأثر صحَّتي النفسيَّة بالتزييف الذي يُمارَس ضدَّها.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]