الأحد 27 سبتمبر 2026 م - 15 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

الاكتظاظ المروري فـي مسقط

الاكتظاظ المروري فـي مسقط
الأحد - 27 سبتمبر 2026 02:51 م

هذه الجعجعة النفسيَّة الغاضبة التي تتعرض لها في كل مرَّة تعتزم فيها الخروج من منزلك لأمر ما، حتى وإن كان للنزهة والسَّعي لِنَيْل فسحة نفسيَّة، لا تؤدي إلَّا إلى تراكم طبقات من الإرهاق النفسي الذي ينهار تمامًا ما إن يصل إلى حدود أقاصيه، كبركان كان يعدُّ نفسه للانفجار زمنًا. وكل ذلك بسبب حركة المرور المكتظة والازدحام المروري الذي يجتاح المسارات الرئيسة كلَّها، لا سِيَّما وأن المؤسَّسات التعليميَّة باشَرَتْ عملها مؤخرًا.

تشير بعض المؤشِّرات الدوليَّة إلى أن مسقط أقل ازدحامًا بالمقارنة مع عواصم عربيَّة كثيرة، وقد تكون جودة الطُّرق في عُمان متقدمة بالفعل، لكن التجربة التي يعيشها الناس في مسقط مختلفة، والتي هناك مَن يعزو سببها إلى سوء تخطيط.

فنحن الملايين الخمسة فوق أرض عُمان نبلغ حدًّا كبيرًا من الاستياء عند استخدامنا للمسارات الرئيسة في مسقط، وهذا الاستياء المليوني موسمي ـ ولله الحمد ـ حيث إنَّه يتعلق فقط بمواسم كثافة الزيارات السياحيَّة لمحافظة مسقط. أمَّا البضعة من الملايين الخمسة، أي ما يربو على المليون والنصف جسدًا الذي يدبُّ فوق أرض المحافظة، فإنَّه يخوض هذا الاستنزاف العصبي كممارسة روتينيَّة ثابتة ضمن تفاصيل الحياة، ولا مفرَّ منها.

ناهيك عن أوقات الذروة في مسقط، التي تبدو الشوارع فيها ملتهبة من حَر ما يضمره العابرون فوقها. وفي الحقيقة، على مدار خمسة أيَّام في الأسبوع، يصبح إجمالي أوقات الذروة صباحًا ومساءً في المسارات الرئيسة لمسقط ما يعادل سبع ساعات يوميًّا من الاختناق المروري! وحتى إذا افترضنا أن الفرد يخسر نصف ساعة فقط كل يوم، فإنَّ الحصيلة تبلغ ساعتين ونصف السَّاعة أسبوعيًّا، ونحو مئة وعشرين ساعة في العام الوظيفي! أي ما يعادل خمسة عشر يوم عمل! أليس هذا بكافٍ أن يهدرَ من عمر إنتاجيَّتنا الكثير؟

أمَّا عن المسارات الداخليَّة في ولايات مسقط التي تضج بالحيويَّة تقريبًا طوال اليوم، مثل مطرح، والسيب، وبوشر، فالوضع يصبح مأزومًا بسبب تدفُّق السيارات صباحًا ومساءً. ولا تملك، وأنت في منتصف هذا الازدحام، إلَّا أن تزفرَ بحنق كبير وتلوك ذات الشكوى المستهلكة حول تعطُّل الأعمال بسبب ضيق الشوارع الرئيسة في الولايات.

طبعًا، نطاق مسقط الحضري يكبر سكانيًّا كل سنة، ولا يمكننا وقف هذا التمدُّد الديموغرافي والعمراني لمنطقة حيَّة وتنمو باطِّراد كمسقط. وفي الحقيقة، نُمو المباني الخدميَّة، كمؤسَّسات التعليم والأحياء والأسواق، يسبق نُمو الشوارع وتنويع وسائل التنقل. وهنا تكمن المُشْكلة، لا سِيَّما وأن السيَّارة هي الوسيلة الوحيدة الأكثر عمليَّة في الاستخدام، وذلك يعود لأسباب اجتماعيَّة وبيئيَّة.

ولنكن أكثر منطقًا وإنصافًا، فلا يمكن أن نطالبَ المرء هنا بثقافة النقل المشترك وإقناع أحدهم بتركِ سيّارته لِيمشيَ طويلًا تحت شمس مسقط الملتهبة لِيبلغَ موقف الحافلة، أو أن ينتقلَ بين أكثر من مسار كي يصلَ إلى مكان كان سيبلغه بسيَّارته مباشرة، وهو يتمتع بخصوصيَّة مكتملة. ولا يمكن هنا تجاهل المناخ عند الحديث عن ثقافة المشي؛ فلا يجوز استيراد حلول صُمِّمت لمُدن باردة أو معتدلة، ثم انتظار نجاحها في مدينة ترتفع فيها الحرارة والرطوبة خلال أشْهُر طويلة من العام. نحتاج إذًا إلى حلول من داخل ظرفنا البيئي والاجتماعي. قد نفكر مثلًا في إنشاء ممرَّات مترابطة للمشاة تستخدم التظليل والتهوية والتبريد، ولا سِيَّما في المناطق المركزيَّة المختنقة. وهنا يمكن أن نستعيدَ ـ على نحو مختلف ـ شيئًا من فلسفة المشَّائين. فقد ارتبطت المدرسة المشَّائيَّة بأرسطو وتلامذته، وبالأروقة التي كان يجري فيها التعليم والنقاش. أعتقد بأنَّ عددًا لا بأس به من الناس سيُقبل على المشي إذا ما توافرت مسارات آمنة مظلَّلة ومبرَّدة ضمن شبكة ممرَّات ممتدَّة ومتَّصلة تنطلق من نقاط مُحدَّدة وتنتهي عند وجهات واضحة، فسوف تخدم المُجتمع من نواحٍ عدَّة، صحيًّا ومروريًّا، فضلًا عن ترسيخ ثقافة الوعي بأهميَّة المشي لدى الناس من مختلف الأعمار والفئات.

كما يمكن توفير مسارات آمنة للدرَّاجات، محميَّة قدر الإمكان من الشمس وحركة السيَّارات، بحيث تكون شبكة تتصل بالأحياء والمباني والمواقف المخصَّصة لها. قد تكون فكرة توزيع أوقات بدء الدوام بين المدارس والمؤسَّسات والقِطاعات المختلفة من أسرع الإجراءات أثرًا، إلى جانب تفعيل العمل المَرِن والعمل عن بُعد في الوظائف التي لا تستوجب حضورًا يوميًّا. كما ينبغي أن يتحولَ النقل المدرسي المنتظم عبر حافلات المدرسة من خيار فردي إلى جزء أساس وضروري من الحل؛ إذ لا يعقل أن تتحرك عشرات المَركبات الخاصَّة إلى المدرسة نفسها، تحمل كل واحدة منها طفلًا أو طفلين، ثم تعود لتكرِّرَ الرحلة في الظهيرة. من الممكن أيضًا تشجيع استخدام سيَّارات حضريَّة صغيرة واقتصاديَّة، مخصَّصة لراكبٍ واحد أو راكبين، وتشغل حيزًا أقل في الطريق والموقف. فليس منطقيًّا أن تتحركَ مَركبة واحدة كي تنقلَ شخصًا واحدًا عشرات الكيلومترات كل صباح. هذا سوف يساعد أيضًا على تقليل المساحات المستهلكة في المواقف. وعند الحديث عن المواقف ـ ونقصد بها هنا مواقف السيَّارات ـ فهذه قضيَّة تستدعي التوقف أمامها أيضًا، لا سِيَّما وأنَّني أؤكد جازمةً بأن ليس منَّا مَن لم يعانِ من هذا الأمر يومًا، إذا لم يكن كل يوم! فالمواقف تكتظ دائمًا أمام المؤسَّسات الخدميَّة والمستشفيات والبنايات التجاريَّة والمجمَّعات.

أستحضر هنا موقفًا مضى عليه سبع سنوات، كان من فرط عبثيَّته أقرب إلى «شر البليَّة ما يُضحك»، حين تقدَّم شاب بفكرة جاهزة ومكتملة تمامًا لاستيراد مواقف مُتعدِّدة الطوابق وتثبيتها عند أطراف المناطق المكتظة، وعند عرض المقترح على أصحاب القرار، قيل له بأنَّ مسقط لم تصل بعد إلى هذا المستوى من الازدحام، وإن تنفيذ الفكرة لا يزال مبكرًا جدًّا! ألا يحيلنا هذا إلى منطق انتظار الأزمة حتى تستفحل؟

آية السيابية

كاتبة عمانية