أصبحت حوكمة الشركات خلال العقدين الماضيين أحد المُكوِّنات الأساسيَّة للبيئة الاستثماريَّة الحديثة، ولم يَعُد تقييم جودة الحوكمة مرتبطًا فقط بسلامة الهياكل الإداريَّة أو وضوح العلاقة بين المساهمين والإدارة، بل امتدَّ إلى كفاءة أعضاء مجالس الإدارة، ومدى استقلالهم، وقدرتهم على تخصيص الوقت والجهد اللازمين للقيام بواجباتهم، وفي هذا السياق تبرز مسألة تَعدُّد عضويَّات مجالس الإدارة بوصفها إحدى المسائل التي تستحق اهتمامًا أكبر من النَّاحية القانونيَّة والتنظيميَّة.
فالعضويَّة في مجلس إدارة الشركة ليست مجرَّد صفة مهنيَّة أو مركز اجتماعي، وإن كان الواقع العملي قد يجعلها أحيانًا كذلك. كما أنَّها ليست مجرَّد مصدر للمكافأة أو وسيلة لتوسيع شبكة العلاقات المهنيَّة، بل إنَّها في المقام الأول مركز قانوني يرتِّب على صاحبه واجبات ومسؤوليَّات تتعلق بالرقابة والإشراف والمشاركة في اتِّخاذ القرارات ومتابعة أعمال الشركة، ولذلك يصبح من المشروع التساؤل عن قدرة الشخص على الوفاء بهذه الالتزامات متى تعدَّدت عضويَّاته في مجالس إدارات عدد كبير من الشركات.
وقد لفتَتْ إلى هذه المسألة دراسة أعدَّها مركز الحوكمة في المملكة العربيَّة السعوديَّة حول تَعدُّد عضويَّات مجالس الإدارة في الشركات المدرجة في السوق السعودي، وأظهرت ـ وفق الأرقام التي أوردتها ـ أنَّ (77%) من أعضاء مجالس الإدارة يشغلون ما بين عضويَّة وخمس عضويَّات، في حين يشغل (23%) ستَّ عضويَّات أو أكثر، ووصل العدد في حالات محدودة إلى أكثر من عشرين عضويَّة. وبصرف النظر عن اختلاف البيئة التنظيميَّة بين دولة وأخرى، فإنَّ مثل هذه الأرقام تطرح سؤالًا يتجاوز الحالة التي تناولتها الدراسة: إلى أيِّ حدٍّ يستطيع عضو مجلس الإدارة ـ عند تَعدُّد عضويَّاته بصورة كبيرة ـ أن يمنحَ كل شركة الوقت والعناية والمشاركة التي تتطلبها مسؤوليَّته؟
ومع ذلك، ينبغي ألَّا يقودَ هذا السؤال إلى افتراض أن تَعدُّد العضويَّات يُمثِّل في ذاته ممارسة سلبيَّة. بل قد يكون وجود الشخص في أكثر من مجلس إدارة مفيدًا للشركات نفسها؛ لِمَا يتيحه من نقل الخبرات المتراكمة، وتبادل أفضل الممارسات، والاستفادة من التجارب المختلفة، وبناء معرفة أوسع بالأسواق والقِطاعات. ثم إنَّ الإشكال الحقيقي لا يتعلق بتَعدُّد العضويَّة، وإنما بالإفراط فيها؛ أي بالوصول إلى مستوى يصبح معه تَعدُّد المجالس التي ينتمي إليها الشخص مؤثِّرًا في قدرته الفعليَّة على أداء واجباته في كل منها.
وهذه الموازنة بين الاستفادة من الخبرة وضمان التفرغ هي التي دفعت بعض التشريعات والأنظمة إلى وضع حدود لعدد العضويَّات؛ ففي المملكة العربيَّة السعوديَّة ـ على سبيل المثال ـ تقرِّر لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق الماليَّة قيدًا على عدد عضويَّات مجالس إدارة الشركات المساهمة المدرجة التي يجوز للشخص الجمع بينها، بحيث لا يشغل عضو مجلس الإدارة عضويَّة مجلس إدارة أكثر من خمس شركات مساهمة مدرجة في السوق في آنٍ واحد، ويكشف هذا التنظيم عن محاولة للموازنة بين السَّماح بتداول الخبرة بين الشركات وبين منع تشتُّتها على عدد من المجالس يفوق قدرة العضو على المتابعة الفاعلة.
وفي سلطنة عُمان، نجد توجُّهًا تنظيميًّا مشابهًا: فقد نصَّت المادَّة (115/9) من لائحة الشركات المساهمة العامَّة الصادرة بالقرار رقم (27/2021) ضمن شروط الترشح لعضويَّة مجلس الإدارة على ألَّا يترتبَ على اكتساب العضويَّة أن يصبحَ الشخص عضوًا في أكثر من أربع شركات مساهمة عامَّة مركزها الرئيس في سلطنة عُمان، وألَّا يكونَ رئيسًا لمجلس إدارة أكثر من شركتين.
كما تضمنت المادَّة (27/د) من مبادئ حوكمة الشركات التي تمتلك الحكومة فيها حصصًا، الصادرة بالقرار رقم (132/2021)، قيدًا يقضي بألَّا يكونَ الشخص رئيسًا لأكثر من مجلسَي إدارة شركات مركز عملها الرئيس في السلطنة أو عضوًا في أكثر من أربعة مجالس إدارة.
ومن الواضح وفقًا لهذه النصوص أنَّ المشرِّع العُماني قد أدرك المُشْكلة وسعى إلى معالجتها وكبح آثارها السلبيَّة، وعليه فلم تكن الإشكاليَّة في غياب التنظيم، وإنَّما التساؤل عن مدى كفاية التنظيم القائم لتحقيقِ الغاية التي وُضع من أجلِها.
فالقيود الحاليَّة ترتبط ـ بحسب النصوص المشار إليها ـ بفئات مُحدَّدة من الشركات، ويجري احتساب الحدِّ الأقصى داخل كل إطار تنظيمي على حدة. وهو ما يثير التساؤل عن حالة الشخص الذي يشغل الحدَّ المسموح به في مجالس إدارة شركات مساهمة عامَّة، ثم يشغل إلى جانب ذلك عضويَّات في مجالس شركات حكوميَّة أو شركات مساهمة مقفلة أو غيرها من الشركات التي لا تدخل ضِمن نطاق القيد ذاته. ففي مثل هذه الحالة قد يكون الشخص ملتزمًا بحرفيَّة كل نَصٍّ على حدة، في الوقت الذي يصل فيه مجموع عضويَّاته إلى مستوى قد يتعارض عمليًّا مع الغاية التي استهدفتها تلك النصوص، وهي ضمان التفرغ والكفاءة والقدرة على المتابعة، وهنا تكمن المفارقة القانونيَّة: فقد يتحقق الامتثال للقاعدة، دون أن تتحققَ الغاية منها.
بل إنَّ الإشكال لا يقتصر على تَعدُّد الأُطر المنظِّمة للعضويَّات، بل يمتدُّ كذلك إلى المعيار العددي ذاته؛ إذ يفترض هذا المعيار ضمنًا تماثل العضويَّات في أعبائها ومسؤوليَّاتها، في حين أنَّ الواقع يكشف تفاوتًا واضحًا بينها. ومن هنا يثور التساؤل: هل يكفي عدد العضويَّات وحده معيارًا للحكم على قدرة العضو على أداء مسؤوليَّاته؟ من النَّاحية العمليَّة، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا؛ فهناك فارق واضح بين مَن يرأس مجلس الإدارة ومَن يشغل عضويَّة عاديَّة فيه؛ لأنَّ مسؤوليَّات الرئيس وما تتطلبه وظيفته من متابعة وإدارة لأعمال المجلس تختلف عن مسؤوليَّات العضو. كما أنَّ عضو المجلس الذي يرأس لجنة المراجعة والتدقيق أو لجنة الترشيحات والمكافآت قد يتحمل عبئًا إضافيًّا يتطلب اجتماعات دَوْريَّة ودراسة تقارير ماليَّة وفنيَّة ومتابعة مستمرَّة مع جهات مختلفة، وهو ما لا يمكن مساواته دائمًا بعضو لا يتحمل المسؤوليَّات الإضافيَّة ذاتها.
ويزداد هذا الاختلاف وضوحًا عند النظر إلى حجم الشركة وطبيعة نشاطها، فعضويَّة مجلس إدارة شركة صغيرة أو متوسطة ليست بالضرورة مماثلة لعضويَّة مجلس إدارة شركة كبيرة تدير استثمارات ضخمة وتضمُّ عددًا كبيرًا من المساهمين وتعمل في أكثر من سوق. كما أنَّ طبيعة القِطاع نفسها تؤثِّر في حجم الالتزامات؛ فالعمل في القِطاعات الماليَّة ـ على سبيل المثال ـ يرتبط بطبيعة خاصَّة من المخاطر والرقابة والامتثال، وقد يفرض على عضو المجلس أعباء تختلف عن تلك التي تفرضها العضويَّة في شركة تعمل في قِطاع أقلّ تعقيدًا.
ولا ينبغي كذلك إغفال الخبرة المهنيَّة والسِّجل العملي للعضو، فالأشخاص لا يتساوون في قدرتهم على إدارة الوقت أو استيعاب الملفات أو التعامل مع متطلبات مجالس الإدارة، وقد يستطيع عضو ذو خبرة طويلة وتفرغ مناسب أن يؤديَ بكفاءة في أكثر من مجلس، بينما قد يعجز آخر عن الوفاء بمتطلبات عدد أقلّ من العضويَّات. ولهذا فإنَّ الخبرة والتفرغ الفعلي وسجل الحضور والمشاركة قد تكون في بعض الحالات أكثر دلالة على كفاءة العضو من مجرَّد الرَّقم الذي يُعبِّر عن عدد المجالس التي ينتمي إليها.
وللمسألة بُعد آخر يتجاوز أداء العضو نفسه، يتعلق بتداول الكفاءات داخل مجالس الإدارة، فتركز عدد كبير من العضويَّات لدى مجموعة محدودة من الأشخاص قد يؤدي عمليًّا إلى تضييق المجال أمام دخول خبرات جديدة إلى مجالس الشركات. ولا يعني ذلك النظر إلى عضويَّة مجالس الإدارة باعتبارها حقًّا يجب توزيعه بالتساوي، وإنَّما المقصود أن من أهداف الحوكمة الجيدة توسيع قاعدة الخبرات والاستفادة من تنوُّع الكفاءات وعدم حصر إدارة الشركات ورقابتها في دوائر محدودة متكررة.
ومن هنا، فإن تطوير التنظيم لا يستلزم بالضرورة التخلِّي عن الحدود العدديَّة؛ فللعدد مزايا تنظيميَّة لا يمكن إنكارها، في مقدِّمتها الوضوح وسهولة التطبيق والقدرة على التحقق من الامتثال. لكن الإشكال ينشأ عندما يتحول العدد من مؤشِّر أوَّلي على احتمال الإفراط في العضويَّات إلى معيار وحيد للحكم عليه.
ولعلَّ الأنسب هو الانتقال إلى تنظيم أكثر مرونة يقوم على الجمع بين العدد وطبيعة العبء، فيظل الحدُّ العددي أداة تنظيميَّة، مع منح الجهة المختصَّة مساحة لتقييم الحالات التي تتطلب النظر إلى عوامل أخرى، مثل رئاسة مجلس الإدارة، ورئاسة اللجان الرئيسة، وحجم الشركة، وطبيعة القِطاع، والخبرة المهنيَّة، وسجل الحضور والمشاركة، ومجموع الالتزامات التي يتحملها الشخص عبر مختلف الشركات.
ختامًا، فإنَّ تعزيز تنافسيَّة البيئة الاستثماريَّة لا يتحقق بكثرة القواعد بقدر ما يتحقق بجودة القاعدة القانونيَّة وقدرتها على الوصول إلى الغاية التي وضعت من أجلِها. ومن هذا المنطلق، تبدو مراجعة الإطار المنظِّم لتعدُّد عضويَّات مجالس الإدارة مسألة تستحق النقاش بين هيئة الخدمات الماليَّة وبورصة مسقط وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وجهاز الاستثمار العُماني والجهات الأخرى ذات الصَّلة، وصولًا إلى تنظيم يحافظ على الاستفادة من الخبرات والكفاءات، وفي الوقت ذاته يمنع الإفراط الذي قد يضعف فاعليَّة مجالس الإدارة.
د. بدر المسكري
كاتب عماني