الأحد 10 مايو 2026 م - 22 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

عماد الرواحي: الحج هجرة إلى الله تعالى بالقلب والبدن، ومدرسة جامعة

الأربعاء - 06 مايو 2026 01:46 م
10


الحج.. منحة ربانية للأمة الإسلامية «1 ـ 2»

أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري

نستقبل بعد فترة أيامًا مباركة تهلُّ نسماتها الروحانية على كل مسلم.. ويشده شوقًا وحبًّا إليها.. إنها أيام المناسك والحج.. هذه الرحلة الإيمانية إلى تلك العرصات المباركة فما أعظمه من جمال روحاني وأنت تشارك تلك الجموع الغفيرة في تلك البقاع الطاهرة بلبسٍ واحدٍ، وفي وقت واحد تقطع تلك المسافات بين الزحام على الأقدام أو بالحافلات.. وتتذوق حلاوة ومذاق الصبر ممزوجة برحيق الإيمان.. تعيش حياة جديدة في حياتك لبّيت نداء الله بشوق وصدق ويقين لتنال برحمة الله التيسير والتوفيق إخلاصًا ويقينًا لنداء الله ودعوة سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم ـ 37)، وقال تعالى:(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) (التوبة ـ 3). وعن فضائل الحج كان لـ(الوطن) هذا اللقاء مع عماد بن سعيد الرواحي (باحث فتوى بمكتب سماحة المفتي العام للسلطنة).

في بداية هذا الحوار.. نرجو أن تبين للقارئ العزيز فضائل فريضة الحج للمسلم؟

إنه لمن دواعي سروري أن نلتقي عبر هذه المساحة لنتحدث عن رحلة العمر، وشوق القلوب، وفريضة الحج التي تهفو إليها النفوس من كل فج عميق.. إن الحج ليس مجرد شعائر بدنية أو رحلة جغرافية، بل هو هجرة إلى الله بالقلب والبدن، ومدرسة جامعة تُصاغ فيها شخصية المسلم من جديد الحج، هو الرحلة المقدسة التي تمثل ذروة التعبد وقوة التسليم لله رب العالمين، وهو الركن الذي لا يتم بناء الإسلام إلا به لمن استطاع إليه سبيلاً. وإذا أردنا أن نتأمل في فضائل الحج، فإننا أمام بحر خضم من المنح الإلهية التي تشمل الفرد والمجتمع، والروح والبدن، وأول هذه الفضائل وأعظمها هي نيل المغفرة الشاملة والميلاد الجديد للروح، فالحج المبرور هو “الممحاة” العظمى لذنوب العمر، حيث يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. وتأمل هنا في لطيفة النبأ النبوي، فلم يقل النبي رجع طاهراً فحسب، بل قال كيوم ولدته أمه، ليفتح للمسلم صفحة بيضاء ناصعة، يبدأ فيها كتابة تاريخه من جديد بعيداً عن أثقال الخطايا وأدران الماضي، ومن الفضائل الجليلة التي ينفرد بها الحج، أنه يعدل الجهاد في سبيل الله، خاصة لمن لا يقوى على القتال من النساء والضعفاء وكبار السن، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور. وهذا يبيّن أن الحج هو جهاد النفس في أعلى صورها، حيث يتحمل الحاج مشقة السفر، ونفقة المال، ومجاهدة الخلق، والصبر على الزحام، كل ذلك ابتغاء وجه الله. كذلك نجد أن من لطائف وفضائل الحج أنه ينفي الفقر والحاجة، وهذا مما قد يغيب عن البعض. فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة. فالحج ليس إنفاقاً ينقص المال، بل هو استثمار مع الله يجلب البركة وينقي النفس والمال معًا، وفي الحج تتجلى فضيلة الوحدة والمساواة في أبهى صورها؛ حيث يتجرد الجميع من ثيابهم المعتادة التي تميز رتبهم ومكانتهم الاجتماعية، ويلبسون إزاراً ورداءً أبيضين، فيقف الملك بجانب المملوك، والغني بجوار الفقير، والعالم بجوار العامي، كلهم يهتفون بنداء واحد: لبيك اللهم لبيك. وهذا المشهد يغرس في نفس الحاج التواضع ويكسر كبرياء النفس، ويذكره بمشهد الحشر الأكبر، مما يورث خشية الله وتعظيم شعائره، ولا ننسى أن فضل الحج يمتد ليكون جزاؤه الأعظم هو الجنة مباشرة، كما ورد في الصحيحين: والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. والجنة هنا ليست فقط جائزة أخروية، بل هي حالة من الطمأنينة والرضا تسكن قلب الحاج منذ أن يضع قدمه في تلك العرصات الطاهرة، فيشعر بسكينة لا يشبهها شيء من لذات الدنيا، ولا شك أن الحج هو مدرسة إيمانية مكثفة، يخرج منها المسلم وقد تهذبت أخلاقه، وتقوى إيمانه، وتجددت صلته بخالقه، فهو فرصة لا تكرر لتطهير الباطن والظاهر، وهو منحة ربانية للأمة لتبقى متصلة بربها، معتزة بدينها، ومستمسكة بقيمها الخالدة.

قبل أن يغادر الحاج إلى الأراضي المقدسة ماذا عليه عمله؟

إن رحلة الحج ليست رحلة سياحية عابرة، بل هي استجابة لنداء رباني قديم أذن به الخليل إبراهيم عليه السلام في الناس، ولذلك فإن الاستعداد لهذه الرحلة يجب أن يتناسب مع جلال المنادى وعظمة المقصد، ويمكننا تلخيص ما يجب على الحاج عمله قبل أن تطأ قدماه أرض المناسك في عدة محاور استراتيجية وإيمانية، المحور الأول هو: الاستعداد الروحي وتصفية الحسابات مع النفس والخلق، وهذا هو الركن الركين في قبول العمل، فعلى الحاج أن يبدأ بالتوبة النصوح، وهي توبة تشمل الندم على ما فات والعزم على عدم العودة، ولكنها في حق الحاج تتأكد بضرورة تحلل المظالم، فلا ينبغي لمن يرجو مغفرة الله في عرفات أن يكون خلفه قلوب مكسورة؛ لذا عليه الاعتذار لمن أساء إليهم، حتى يسافر خفيف الحمل من أوزار العباد، طامعًا في عفو رب العباد، والمحور الثاني: يتعلق بطهارة النفقة وتحري الحلال؛ وهي دعوة لكل من أكرمه الله بالقبول هذا العام أن يجتهد في تطييب ماله وتبرئة ذمته من الحقوق والديون ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، مع ضرورة الرجوع لأهل العلم وسؤالهم عما أشكل عليه في ذلك، فالمقصود هنا هو بذل الوسع في الإصلاح والمحاولة الصادقة لرفع جودة العمل، استبشارًا بفضل الله وتفاؤلًا بقبوله، دون السماح للوساوس أن تعكر صفو الفرح بهذه الرحلة المباركة؛ فالحج فرصة للتصحيح وبداية عهد جديد مع الله في كل شؤون الحياة، والمحور الثالث هو: الاستعداد المعرفي والعلمي، وهو ما نسميه فقه المناسك، فمن القصور البالغ أن يسافر الحاج وهو لا يعرف الفرق بين الركن والواجب والسنة، أو يجهل محظورات الإحرام، فعبادة الحج عبادة دقيقة وموقوتة بزمان ومكان، والخطأ فيها قد يترتب عليه دم أو فدية أو نقص في الأجر، ولذلك يجب على الحاج أن يجلس مجالس العلم، ويقرأ الكتب المعتمدة، ويسأل أهل الذكر، حتى يعبد الله على بصيرة، ويكون شعاره في كل منسك “افعل ولا حرج” كما علّمنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، والمحور الرابع هو: الترتيبات الاجتماعية والأسرية، فالحاج قبل مغادرته يستوجب منه كتابة وصيته الشرعية، امتثالاً للسنة النبوية وترتيباً للحقوق والالتزامات، كما يجب عليه أن يؤمّن لأهله ومن يعولهم نفقتهم الكافية بالمعروف حتى يعود، ليكون قلبه مطمئنًّا غير منشغل بضياع من خلفه، مما يساعده على التفرغ التام للذكر والعبادة، أما المحور الخامس، فهو الاستعداد النفسي والبدني، فالحج رحلة تتطلب صبرًا وجلدًا، وعلى الحاج أن يهيئ نفسه لمشاق السفر، واختلاف الطباع، وازدحام الجموع. عليه أن يوطن نفسه على سعة الصدر وترك الجدال، وأن يتدرب على الصبر الجميل، ومن اللطائف هنا أن يستحضر الحاج أن كل تعب يصيبه وكل نصب يلحق به هو في ميزان حسناته، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) للسيدة عائشة:(إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك)، فلا شك أن هذا الاستعداد القبلي هو الذي يحدد جودة الحج وثمرته بعد العودة؛ فمن أحسن الاستعداد، أوشك أن يبلغ المراد، ومن دخل البيت من أبوابه بقلب طاهر وعلم وافر، فإنه حريّ بأن يرجع بغير الوجه الذي ذهب به، محملاً بأنوار القبول وبركات الطاعة.

كاتب عماني