تتسم لغة القر?ن الكريم بأن كل شبه جملة فيها له فعل يتعلق به، ويختلف معناه باختلاف هذا التعلق، نقول: «رغبت فيه» (أي: أحببته ورضيته ووددته)، ونقول: «رغبت عنه» أي: كرهته وعزفت نفسي عنه، وتركته، ونقول: «دافعت به» أي: اتخذته درعا وحاميا فهو الذي يدافع عني وأنا أدافع معتمدا عليه، لكن نقول: «دافعت عنه» أي: حميته، وكنت له حصنا حصينا من أي أذى فتحول الفعل إلى ضد معناه من فاعل إلى مفعول به؛ جراء تعلقه بالجار والمجرور، وهذا كثير كثير في لغة العرب، وإذا استشرت المعجم، وتجولت بين جذوره اللغوية، وجدت القضية واضحة، ومركزا عليها، وخصوصا المعجم الوسيط الذي أصدره مجمع اللغة العربية القاهري.
وقبل أن نبين ما نحن بصدده من بيان الإعجاز البلاغي بين هاتين ال?يتين اللتين ورد فيهما الفعل (سارع يسارع مسارعة وسراعًا وتعلقه بحرفي الجر: في، وعلى)، ونقف على جماليات النص القر?ني في الموضعين، نعرج على جملة من الأفعال اختلف فيها المعنى اختلافًا كبيرًا مع حرف الجر، فالفعل نفسه واحد، وأحرفه واحدة، لكن معانيه تختلف باختلاف حرف الجر المتعلق به، فيحوله إلى معنى ?خر، وقد يحوله إلى نقيض المعنى الأول ـ كما رأينا أعلاه ـ ومن أمثلة ذلك أيضًا قولنا: «طلب منه» التي تعني أن شخصًا ما قد أعطى، أو أفصح عن شيء ما، بينما «طلب إليه» فهي تعني أن شخصا ما قد سأل، أو توسل، أو التف من أجل الحصول على شيء ما.
ونقول: «دافع به» تعني أنه استخدمه كوسيلة للدفاع، مثل: «دافع عن نفسه بالسيف»، بينما قولنا: «دافع عنه» تعني حامى عنه، وانتصر له، مثل: «دافع المحامي عن المتهم»، فالمعنى يتغير بناءً على حرف الجر المستخدم، أو ما إذا كان الفعل «دافعَ بـ»، أو «دافعَ عن».
وقولنا: «أثر فيه وبه»، أو «أثر عليه»، قالوا: إن الصواب لغويا هو «أثر فيه»، أو «أثر به» بمعنى: ترك أثرًا.
أما «أثر عليه» فهو استخدام شائع، لكنه غير فصيح، وقد انتقل إلى العربية من لغات أخرى، مثل: الإنجليزية، والفرنسية.
لكن الرأي الوسط الذي أراه أن قولهم: «أثر فيه وبه» تعني التأثير الكبير داخليًا، وخارجيًا، واختلاطه به، وبيان الأثر الكبير فيه، بينما قولنا:(أثر عليه)، تعني أن التأثير كان أو جاء سطحيًا، وغير كبير، وأنه قد أثّرَ تأثيرًا خفيفًا، سرعان ما ينقضي ولا يبقى، فهو أثر ظاهر لم يمس روحه وذاته وكيانه، فالأول تأثير عميق وكامل، وشامل، والثاني تأثير يسير، وسطحي وعاجل.
وأخيرًا قولهم: «استمع له، واستمع إليه»، فالأولى تعني الإصغاء التام، والاستماع، والتدبر والتركيز، بينما قولنا: «استمع إليه» فتعني مجرد الإصغاء للشيء، أو الكلام، لكن لا تعني بالضرورة الاختلاط بالمستمع إليه، وحسن الإنصات له، وجليل التدبر فيه، وإحسان السمع، وفقه القول منه.
فالفارق بين الحرفين: «استمع له»، و»استمع إليه» قد يبدوان أنهما مسوقان لمعنى واحد، وسياق متحد، لكن عند التحقيق نرى أن «استمع إليه» تعني الأصغاء للشيء أو الكلام، مثل: «استمعنا إلى الأذان، وإلى الخطبة، بينما قولنا: «استمع له» في سياق القرآن تشير إلى حسن الاستماع، ودقة الإنصات، وجميل التدبر، وغالبًا ما يتبعها ذكر للتركيز على الشيء المستمع إليه؛ ومن ثم ورد قوله تعالى: «إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون»، ولم يقل: «فاستمعوا إليه وأنصتوا».
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية