إن القارئ المتأني، والذي يجعل القرٱن الكريم زاده اليومي، ويتخذ من الكتاب العزيز صديقًا صدوقًا، يصادفه عند التلاوة لفظ (رجل، ورجال) كثيرًا، ووراء كل لفظ منها سماته، وأوصافه، وله دلالاته، وأصنافه.
وسنحاول في هذه السطور استجلاء تلك الأوصاف، وهاتيك الأصناف، ونقف حولها متأملين، ولدلالاتها محققين، عسى الله أن يكتبنا في أهلها، ويجعلنا من أتباعها.
ولكن قبل ذلك نتعرف على المعنى القرٱني العام لاستعمال القرآن الكريم لكلمة (رجل)، فإنه يجدر بنا أن نبين استعمال القرٱن الكريم لها، فهو يستعملها مرة للدلالة على الذكر بشكل عام، أي للدلالة على الذكر لا الأنثى، فـ(رجال) هي (جمع للذكور، ومفردها رجل)، لكنها في تراكيب أخرى قرٱنية تُستخدم أيضا للدلالة على صفات الرجولة الحقة، وأخلاقها، ومتطلباتها، والسمات العقدية والروحية والفكرية والعملية لأصحابها، وذلك في سياقات عديدة، ونماذج مديدة، مثل: الصدق، والوفاء، والشجاعة، والمسؤولية، والصلاح، وسمو الاعتقاد، وفنون الدعوة، وحسن الجدال، وقمة التواضع، ورقة الوصال بالله، ووضع الروح على الأكف حبا لله، وابتغاء رضاه، وهو ما يركز المقال عليه، ويسعى سعيًا حثيثًا إليه، ويقرب المعنى لنا بين يديه.
إن القرآن الكريم يُوضح أن (كل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجلًا)، وذلك عندما يصف الرجال بصفات إيجابية.
والٱن نستعرض استخدامات كلمة (رجل)، و(رجال) في القرآن الكريم على وجوه وسمات شتى، نتوقف عند بعضها، ونستنبط منه الحكم الغوالي، والدروس العقدية العوالي.
ومن ذلك الدلالة على النوع (الذكر)، قال تعالى:(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ومنها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً) (النساء ـ 1)، ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن ـ 6)، ومنه كذلك قوله تعالى: (.. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ...) (البقرة ـ ٢٨٢)، ومنه أيضًا قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء ـ 1)،
ومنه قوله تعالى:(لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) (النساء ـ 7)، ومنه قوله تعالى:(.. بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ..) (النساء ـ 12)، ومنه قوله تعالى:(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء ـ 32)، فكل تلك الٱيات تتحدث عن الرجال بالمعنى العام، وهو الذكورة التى يقابلها الأنوثة، وهي القسيم الٱخر، ولا تصفهم بأكثر من ذلك؛ لتوضيح حكم من أحكام الإسلام كميراث، ونحوه، أو خلق لهم.
أما ما نريد التركيز عليه فهي الصفات الكريمة، والخصائص القويمة، والسمات العظيمة كالٱتي: ونعدد هنا استعمال لفظ (الرجال) في مواقف معينة على الوجوه الٱتية: فالأول وصفه بـ(كتمان الإيمان)، وتقديم النصيحة لموسى ـ عليه السلام ـ وتحمله مؤنة ذلك، وكلفته: قال تعالى:(وقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعون..)، فهو رجلٌ يكتم إيمانه من جانب، ويُقدم النصيحة لموسى ـ عليه السلام ـ من جانب ٱخر، كما في قوله تعالى:(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (غافر ـ 28)، فهو ينبري للدفاع عن موسى ـ عليه السلام ـ وأنه قد جاءهم بالبينات الواضحات، وهو يقر بما طلبه منكم بأن ربه الله، ففيم العناد معه، وصد الناس عنه؟!.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية