يَدُور النقاش ساخنًا حَوْلَ «المركزيَّة» و»اللامركزيَّة» دورانًا عجيبًا عَبْرَ العديد من دول العالم دُونَ استثناء، بل هو تعقيد أرَّق رجال السياسة والفكر في الدول الرأسماليَّة، والدول الشيوعيَّة على حدٍّ سواء.
والحقُّ، فإنَّ أهميَّة هذا الموضوع لا تنبع من عنوانه أعلاه مجردًا فحسب، إذ يبدو موضوعًا بسيطًا على السطح، موضوعًا يُمكِن حلُّ إشكالاته في وقت قصير عن طريق اعتماد «روح التسويَّة» Spirit of Compromise، بَيْدَ أنَّ الحقيقة هي أنَّه موضوع شائك له تشعُّبات وتعقيدات كثيرة، لها بداية ولكن ليس لها نهاية! وأهم تشعُّباته، كما أراها، هو مسألة تداول السلاح بَيْنَ الدولة والجماعات غير المنضوية تحت سُلطة الدولة.
لذا، توجَّب التوكيد على أهميَّة «حصر السلاح بأيدي الدولة»، ومحاولة عزله عن أيدي الميليشيَّات الَّتي يُمكِن أن تسيء إليه أو تسيء استعماله في غير موضعه!
وقد أكدت التجارب العالميَّة، غربيَّة وشرقيَّة على حدٍّ سواء، بأنَّ انفلات تداول السّلاح، الخفيف والمتوسط والثقيل، له آثار خطيرة على السِّلم المُجتمعي وعلى الاستقرار السياسي، ناهيك عن دَوْره السلبي في عمل آليَّات الاقتصاد الوطني.
وبهذه المناسبة، لا بُدَّ من أن نشير إلى تصاعد الجدل حَوْلَ هذا الموضوع عَبْرَ دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركيَّة، كُلَّما حدثت جرائم من نوع الاغتيالات السياسيَّة (مثل اغتيال تشالي كيرك Charlie Kirk الَّذي حدث قبل بضعة أيَّام، هازًّا المُجتمع الأميركي، ناهيك عن عمليَّات إطلاق النار العشوائي الَّتي تحدُث من آنٍ لآخر في المدارس والأسواق عَبْرَ هذه الدولة الَّتي تُعَدُّ الأكثر مَدنيَّة ودستوريَّة، إذ يجرى التوكيد (من قِبل أهل الحل والعقد وأُولي الأمر) على ضرورة حصر السلاح بأيدي أجهزة الدولة فقط، خصوصًا الحكومة المنتخبة منها، نظرًا لخطورة تسربه وتداوله من قِبل العناصر الفوضويَّة الَّتي لا تنتمي للحكومة أو للجيش، إذ يقود ذلك إلى إطلاق أيدي المجرمين والمتهورين والعابثين في استعمال ما تحت أيديهم من أسلحة ناريَّة على نَحْوٍ عشوائي أو استجابة لدوافع غريزيَّة وإرهاصات عاطفيَّة فرديَّة، كما حدث عندما استهدف شاب ممسوس الرئيس الأميركي السابق رونالد ريجان، بسبب عشقه لشابَّة معيَّنة !
بل إنَّ لأمیركا القدح المعلى، سجلًّا حافلًا في هذا المضمار: لنتذكر عمليَّة اغتيال الرئيس جون كنيدي ومحاولة اغتيال الرئيس الحالي، دونالد ترامب، قبل بضعة أشهر فقط.
لذا، يتوجب على الدول المستقرة أو الدول الَّتي ترنو إلى الاستقرار والسلام التأكد من حصر السلاح بأيدي مَن يعرف أن يستعمله ومتى يستعمله. بحرفيَّة وتوازن شديدين!
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي