لا يُمكِن بمكان الحديث عن حفظ وحماية البيئة، والجهود الفرديَّة لِتحقيقِ ذلك، وكيفيَّة غرس تلك القِيَم في المُجتمع دُونَ الانطلاق من تأكيد الحرص على النَّظافة الشخصيَّة لدى أطفالنا وأبنائنا وشباب المستقبل. فالنَّظافة كعنوان عريض وقِيمة أساسيَّة وخُلُق رئيس يجِبُ أن يتحلَّى به كافَّة أفراد المُجتمع، لا يُمكِن فصلها لِتكُونَ نظافة شخصيَّة فقط، لكن يجِبُ أنْ تشملَ نظافة الجِسم والمدرسة والمنزل والشَّارع والحيِّ، وكُلِّ مكان يوجد به الفرد، ذلك أنَّ البيئة المحيطة بنا خلَقَها الله نظيفة طاهرة، ومن واجبنا أنْ نحافظَ على نظافتها. ولكَيْ نقومَ بهذه الخطوة يجِبُ أنْ نحرصَ أوَّلًا على نظافة الجسد والمظهر اللائق، ويجِبُ تعليم الأبناء بالقدوة والممارسة، هذه الفضيلة الَّتي ارتبط بالإيمان في دِيننا الحنيف.
إنَّ خُلُق النَّظافة فرض ديني على كُلِّ مُسلِم يعتزُّ بهذا الدِّين الحنيف، ويُلزمنا بالنَّظافة الشخصيَّة الَّتي تُعَدُّ بوَّابة الحفاظ على صحَّة الإنسان ومَن حَوْلَه، وتحمي البيئة من فيروسات وميكروبات مضرَّة أكَّد العِلْمُ الحديث أضرارها الكارثيَّة على البيئة، خصوصًا في البيئات الحارَّة والرَّطبة، ففي تلك البيئات الَّتي يسُودُها مناخ حارٌّ رطِبٌ ـ كما الحال في بلادنا ـ يفسد الطَّعام بسرعة، ويتأثَّر الجسَد بالبكتيريا والفيروسات الَّتي تنمو بشكلٍ كبير، ما يصاحبه تكاثُر الحشرات والكائنات النَّاقلة للعدوَى؛ لذا يرتبط مفهوم اهتمامنا بالنَّظافة بما نناله من صحَّة جيِّدة، يكُونُ لهَا مردود على البيئة المحيطة بنا، فأجدادنا قَدْ حرصوا منذ القِدَم على إعلاء قِيَم وخُلُق النَّظافة، وكانوا في حلِّهم وترحالهم نموذجًا في الحرص على النَّظافة الشخصيَّة والعامَّة.
إنَّ الحفاظ على النَّظافة الشخصيَّة والعامَّة هو بوَّابة للحفاظ على الروابط المُجتمعيَّة، فالنَّظافة تجعل مظْهَرَ الفرد لائقًا ورائحته زكيَّة، فلا ينفرُ النَّاس مِنْه ولا يتأذَّون مِنْه، فيعطي انطباعًا أوَّليًّا عن شخصيَّته؛ وبالتَّالي يستطيع تكوين صداقات كثيرة مفيدة وجميلة. كما أنَّ الجسد النَّظيف والمكان النَّظيف يعطي الفرد قَبل المُجتمع شعورًا كبيرًا بالراحة والاسترخاء والانتعاش، ويكسبه ثقة في النَّفْس وقوَّة ودافعًا للحياة، وله كذلك مردود كبير على صحَّة الفرد النَّفْسيَّة، حيث أكَّدت الأبحاث العلميَّة المتواترة قديمًا وحديثًا أنَّ الحرص على النَّظافة الشخصيَّة والعامَّة يقي من الإصابة من أمراض العصر النَّفْسيَّة الرئيسة وهي الاكتئاب والتوتُّر والقلَق، ما يزيد من قدرة الفرد على التركيز في تنفيذ الأعمال الموكلة إِلَيْه، والانتهاء مِنْها بسرعة وكفاءة عالية، ما يعُودُ بالفائدة على النُّموِّ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ.
ومن هذا المنطلق فإنَّ الحديث عن واجب الفرد في حفظ البيئة لا بُدَّ أنْ ينطلقَ أوَّلًا من حفظ الجسد والبيئة المحيطة في المنزل والمدرسة والعمل، فالنَّظافة كعنوان عريض هي المنطلق بالوعيِ بمفردات البيئة المختلفة والحرص على صونها وحمايتها، وحفظ الجسد والحرص على الاعتناء بنظافته لا يُمكِن فصلُه عن الحرص على تنظيف ما حَوْلَنا، لِيتحوَّلَ خُلُق النَّظافة إلى غريزة أساسيَّة تعتني بكافَّة المفردات البيئيَّة وتحرص على الاعتناء بها وبقائها بالوضع الَّذي ميَّزها الله به، فالحفاظ على البيئة وغرس تلك القِيمة في المُجتمع لا بُدَّ أنْ ينطلقَ أوَّلًا من إعلاء قِيمة خُلُق النَّظافة وغرسها في عقول ونفوس النَّاشئة في أيِّ مُجتمع متحضِّر.