عِندما تسأل أُمًّا عن حال طفلها بعد الولادة بأيَّام؟ تقول: بأنَّها تستطيع حساب عدد المرَّات الَّتي نامت فيها طفلتها طوال الليل منذ ولادتها. وتستطرد مكملة بقولها إنَّها في اليوم الَّذي أحضرتها من المستشفى إلى المنزل، وضعتها في قيلولة، ـوقمطتها ـ بإحكام بالطريقة الَّتي تعلَّمتها. فنامت الرضيعة بسرعة، ولكن بعد دقائق قليلة بدأت في البكاء. وهنا تقول الأُم: لقَدْ فحصتُ حفَّاضتها وقدَّمتُ لها الحليب وهززتها، لكن لَمْ ينجحْ شيء. بكَتْ بقوَّة أكبر، واستمرَّ هذا لمدَّة عشرين دقيقة مؤلمة، حتَّى فتحَتْ عَيْنَيْها فجأة وتوقَّف البكاء! وهكذا بعد ساعة، تحرَّكت مرَّة أخرى الرضيعة ثمَّ مرارًا وتكرارًا كُلَّ ساعة، طوال الأشهر الثلاثة الأولى من حياتها.ولعلِّي هنا أسردُ تلك التفاصيل، لكَيْ يدركَ الآباء أنَّه أحيانًا ليسوا هُمُ السبب في بكاء الطفل، حيث إنَّ الحقيقة المريرة أنَّ بعض الأطفال لا يستطيعون البقاء نائمين. وبالنسبة للكثيرين فالقضيَّة ليست سلوكيَّة، بل إنَّها قَدْ تكُونُ طبيَّة. لا سِيَّما وأنَّه يعاني تقريبًا أربعة بالمئة من الأطفال من متلازمة تململ السَّاقَيْنِ، ممَّا قَدْ يجعل من الصَّعب استقرار الجِسم في السرير، بَيْنَما يعاني عشرون بالمئة من الأطفال في سنِّ الخمس سنوات من التبوُّل في الفراش. بل إنَّ أيضًا ثلاثة إلى ستَّة بالمئة من الأطفال يعانون من انقِطاع التنفُّس الانسدادي أثناء النَّوم. ولكَيْ نكُونَ دقيقِين ـ وحسب الدراسات ـ يعاني ما يصل إلى نصف الأطفال من شكلٍ من أشكال الذعر مِثل الرُّعب الليلي أو المشي أثناء النَّوم!لذلك وفي هكذا حالات يجِبُ أن تراعى الأُم والزوجة، خصوصًا وأنَّ الحرمان من النَّوم يلحق الضَّرر بجسمها، وهي تراعي طوال أيَّام وليالي بكاء الرضيع. كيف لا؟ وقلَّة النَّوم قَدْ تقضي على قدرتك على التركيز، وتتلاشى الموانع لدَيْك، ممَّا يزيد من صعوبة تمييز السلوك المناسب أو غير المناسب. وبشكلٍ حقيقي يُمكِن أن يؤدِّيَ نقص النَّوم على المدى الطويل إلى التهاب الجسم، ممَّا يضعف جهاز المناعة ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض. وأيضًا من المحتمل أن يزدادَ وزنُك، ويزيدَ خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدمويَّة والسكري ومجموعة من الأورام السرطانيَّة.بطبيعة الحال، تلك الرضيعة الَّتي أسردنا قصَّتها، كانت حقيقة تعاني من استيقاظات مشوّشة، وهو اضطراب في النَّوم ناجم عن الانشقاق بَيْنَ النَّوم والاستيقاظ. فأثناء النَّوم العميق، يستيقظ الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب، ولكن بشكلٍ جزئي فقط. وهذا يضعهم في حالة من اليقظة والنَّوم تتميز بسلوكيَّات تشمل البكاء، والتلوِّي، والتبوُّل في الفراش، وعدم الاستجابة للمنبِّهات الخارجيَّة مِثل صوت الوالدين، وعِند الاستيقاظ يفتقر الطفل للتذكُّر، ولذلك يجِبُ على الوالدين إن استمرَّت حوادث كتلك، التواصل مع طبيب متخصص يساعد الوالدين لإدراك حالة الرضيع أو الطفل، والتعامل معها بشكلٍ صحيح.ولعلَّ الدَّاعي لهذا المقال، هو الواقع الَّذي أراه من أنَّ اضطرابات النَّوم لا يتمُّ تشخيصها بشكلٍ جيِّد عِند الأطفال، مقارنةً بالحالات السلوكيَّة مِثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والحالات الطبيَّة مِثل الربو. فمن السَّهل الخلط بَيْنَ الاستيقاظ المُربِك والاستيقاظ الليلي المعتاد، خصوصًا عِند الرضَّع!ختامًا، حالة تلك الطفلة النادرة تعني أنَّها لا تنام أبدًا طوال الليل. لذلك ولسنوات، ألْقَتِ الأُمُّ اللوم على نَفْسِها وزوجها، مع عدم وجود تشخيص فعلي يشرح حالتها. لذلك كلمتي الأخيرة هنا لتلك الأُمِّ، أنَّه ليس هناك نهاية مشمسة لهذا النَّفق؛ لأنَّه بالأصل لا يوجد نفق هناك. هناك هذه الحياة، حياتها الرائعة الوحيدة... هناك طفلها، وهناك حبُّها له ولها الَّذي لا حدود له! د. يوسف بن علي الملَّاطبيب ـ مبتكر وكاتب طبي[email protected]