الأربعاء 20 مايو 2026 م - 3 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الفعل الثقافـي لسلطنة عمان.. رحلة الانتقال من التوثيق التاريخي إلى التنافسية العالمية

الفعل الثقافـي لسلطنة عمان.. رحلة الانتقال من التوثيق التاريخي إلى التنافسية العالمية
الأربعاء - 20 مايو 2026 02:33 م


مسقط ـ العُمانية: لم يعد الفعل الثقافي العُماني مجرد استذكار للتراث المادي وغير المادي، إذ تحوّل إلى صناعة فكرية إبداعية تتطلع للمنافسة الدولية. ومن هذا المنطلق، تواصل سلطنة عُمان استثمار شراكاتها مع المؤسسات العالمية، وفي مقدمتها اليونسكو، لترسيخ حضورها كقوة حضارية ذات تأثير نوعي، ما يعكس عمق التجربة العُمانية الممتدة بجذورها في المشهد الثقافي العالمي المعاصر.

وفي هذا السياق يتحدث عددٌ من المختصين عن الرؤية المؤسّسية الرّامية لتحويل التّراث العُماني من إطار التوثيق المحلي إلى منصة للتواصل الحضاري عبر اليونسكو على سبيل المثال لا الحصر، والمرتكزات التي جعلت من الملفات العُمانية معيارًا دوليًّا للاحترافية يعكس دقة التنظيم وجودة الأداء الثقافي، وما يمكن العمل عليه من خلال المؤسسات الثقافية لتحويل الفنون والحرف من قوالبها التقليدية إلى منتجات إبداعية تخاطب وجدان الأجيال عالميًّا، وضمان استمرار التراث كفعل إبداعي مستدام يعزز مكانة المثقف العُماني دوليًّا، وما قدّمه أيضا الوجه المشرق للمنجز الثقافي العُماني للعالم بصورة تليق بعراقة عُمان والسّبل الكفيلة بترسيخ هذا الوعي الجمالي ليكون حافزًا في نشر ثقافة الابتكار المستمد من أصالة التراث المادي وغير المادي، إضافة إلى المنهجية العلمية التي اتبعتها سلطنة عُمان لتحويل عناصر التراث من مجرد شواهد تاريخيّة إلى صناعة حيويّة، وما يمكن أن تقدمه البحوث من أجل حماية الأصالة والدراسات الثقافية العُمانية من مخاطر الاستنساخ في ظل الانفتاح الثقافي العالمي.

في البداية قالت سعادةُ السّفيرة آمنة بنت سالم البلوشي، المندوبةُ الدّائمة لسلطنة عُمان لدى اليونسكو إن الحضور العُماني في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) شكل نموذجًا ملفتًا في توظيف الرؤية المؤسسية لتحويل التراث من نطاق محلي إلى منصة عالمية للحوار الحضاري. واعتمدت سلطنةُ عُمان نهجًا استراتيجيًّا قائمًا على التكامل بين المؤسسات الثقافية والبحث العلمي والدبلوماسية الثقافية، ما أتاح تقديم ملفات تراثية لا تكتفي بالسرد التاريخي، بل تُبرز القيم الإنسانية المشتركة الكامنة في هذا التراث. ويتجلى ذلك في تسجيل مواقع مثل قلعة بهلا ومواقع أرض اللبان ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها شواهد على عمق التفاعل الحضاري لعُمان عبر التاريخ. وأضافت أن هذا التحول جاء نتيجة تنظيم مؤسّسي دقيق قائم على وضوح الأدوار وتنسيق الجهود واعتماد منهجيّات علميّة صارمة في التوثيق والتحقيق. كما لعب الاستثمار في الكفاءات الوطنية دورًا محوريًّا في إعداد فرق متخصّصة قادرة على صياغة ملفات تستوفي المعايير الدولية من حيث الدّقة والشّمول والبعد الإنساني. وقد برز ذلك في ملف الأفلاج العُمانية، الذي قُدم باعتباره نموذجًا حضاريًّا للإدارة المستدامة للمياه. أما الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي فقد أكد على أن الانتقال بالفعل الثقافي من صبغته الصميمية كمستودعٍ للذاكرة إلى طاقةٍ منتجةٍ للمعنى والقيمة، ينبع من جوهر الثقافة الذي ينطوي على إمكانية تحويله إلى أفقٍ مفتوحٍ على إمكانات الابتكار والتجديد. والفنون والحرف العُمانية، بما تختزنه من تراكمات تاريخيّة ورمزيّة، ليست كيانات ساكنة، بل هي أنظمة دلاليّة حيّة قابلة لإعادة التأويل وإعادة التشكيل ضمن سياقات معاصرة. ومن هنا، فإن تحويلها إلى منتجات إبداعيّة متجدّدة لا يتحقّق عبر القطيعة مع الأصل، بل عبر حوارٍ خلاق معه، حوار يعيد اكتشاف الوظائف الجمالية والمعرفية لهذه الفنون، ويمنحها لغةً جديدة تخاطب وجدان الأجيال الشابة عالميًّا. ووضح أنّ المؤسّسات الثقافية مطالبة اليوم بأن تتجاوز دورها التقليدي في الحفظ والعرض، لتصبح منصات إنتاج معرفي وإبداعي، تُفعِّل أدوات التصميم، والتقنيات الرقمية، والسرديات البصرية، وتربط الحرف التقليدية باقتصادات الإبداع المعاصر. فالحرفة حين تُدمج في منظومات التصميم الحديث، أو تُروى قصتها عبر وسائط رقمية تفاعلية، أو تُستثمر في صناعات ثقافية كالأزياء، والأفلام، والألعاب، فإنها تستعيد حيويتها، وتتحول من موروث إلى مشروع. من جانبه قال الباحث في التاريخ الدكتور سليمّ بن محمد الهنائي إن قراءة المساهمة العمانية في إبراز المنجز الثقافي عبر منصة اليونسكو تنطلق من إدراك أنّ سلطنة عُمان لم تتعامل مع المنظمة الدولية في كونها مجرد جهة توثيق وتسجيل، بل بوصفها فضاءً حضاريًّا تُترجَم فيه الهُويّة الوطنيّة إلى خطاب إنساني مُتجاوزًا الحدود. فالمواقع العُمانية المسجّلة في قائمة التراث العالمي، من قلعة بُهلا إلى مواقع أرض اللبان، ومن أفلاج عُمان إلى مدافن بات والخطم والعين، ليست شواهد جامدة على فترة غابرة، بل هي رسائل فكرية حيّة تُقدّم النموذج العُماني في التعايش مع البيئة، وفي إدارة الموارد، وفي صياغة عمران متناغم مع طبيعة الأرض وذاكرة الإنسان. وبهذا المعنى يصبح كل موقع مسجّل بمثابة سفير صامت يحمل في تفاصيله المعمارية والاجتماعية فلسفة عُمانية شاملة في فهم العلاقة بين الإنسان والبيئة.

وفي السياق ذاته قالت الدّكتورة فاطمة العامري عميدة كلية الصناعات الإبداعية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى إنّ تحويل الفعل الثقافي العُماني من مجرد «تراث مادي ومعنوي» إلى «صناعة إبداعية» ذات تنافسية دولية يتطلب قراءة عميقة في كيفية استثمار المؤسسات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، كمنصة للحضور الفكري والثقافي الحضاري.

ووضحت أن التراث الثقافي في سلطنة عُمان يُنظر إليه اليوم بطريقة أوسع، من مجرد كونه موروثًا محفوظًا من الماضي إلى جزء من مشروع وطني يربط بين الهُوية والابتكار والتنمية. ومن هنا، فإن الحديث عن المنهجية والتحوّل النوعي يرتبط بفهم الطريقة التي تعاملت بها سلطنة عُمان مع التراث الثقافي بوصفه موردًا يمكن أن يُسهم في بناء الصناعات الثقافية والإبداعية.

الفعل الثقافـي لسلطنة عمان.. رحلة الانتقال من التوثيق التاريخي إلى التنافسية العالمية