يتردَّد في ذهني العديد من الأسئلة حَوْلَ واقع دراسة القانون في بلدي الحبيب منذ العام 2006، وهو العام الذي التحقت به كُلِّيَّة الحقوق ببقيَّة الكُلِّيَّات بجامعة السُّلطان قابوس، هذا الواقع الذي كنت أرجو أن يكُونَ أفضل ممَّا هو عليه اليوم وذلك للأسباب الآتية:
أوَّلًا: لا أعْلمُ الأسباب التي أدَّت إلى تأخُّر دراسة القانون أو الحقوق في سلطنة عُمان؟ وهل هناك أسباب منطقيَّة لكَيْلا تكُونَ كُلِّيَّة القانون من الكُلِّيَّات الأولى التأسيسيَّة بجامعة السُّلطان قابوس والتي استقبلت الدفعة الأولى من طلابها في العام 1986؟!
بالرغم من أنَّ هذا التخصُّص هو من التخصُّصات الأكاديميَّة التي لا يُمكِن لحضارة إنسانيَّة أن تتقدمَ وتتطورَ إلَّا به، حيث ترتبط دراسة القانون ارتباطًا وثيقًا مع تطوُّر الحضارة، وهو الريموت كنترول لضبط السلوك الإنساني. وتُعدُّ كُلِّيَّات القانون حَوْلَ العالَم من أقدم الكُلِّيَّات، ولعلَّ من المعلومات الجميلة في هذا السياق أنَّ أقدمَها عَبْرَ التاريخ وُجِد في بلد عربي هو لبنان، أقصد مدرسة الحقوق في بيروت أو مدرسة الحقوق الرومانيَّة(193-211م). طبعًا هذا إذا ما أخذنا في الحسبان ملايين الريالات التي صرفتها الدولة، بالإضافة إلى الأفراد لدراسة القانون خارج البلد!
ثانيًا: الحمد لله أنَّ هناك نقلة كميَّة في عدد كُلِّيَّات القانون في سلطنة عُمان في الفترة من 2010 – 2023.
بالإضافة إلى التطوُّر المتسارع في التخصُّصات والمستويات الأكاديميَّة، ولكن السؤال المطروح والمستغرب كذلك هو: لماذا لَمْ تطرح جامعة السُّلطان قابوس حتى الآن درجة الدكتوراه في القانون؟ لأنَّني أتحدث عن 17 سنة تقريبًا منذ إنشاء كُلِّيَّة الحقوق بها، ولا عذر أبدًا للجامعة في طرح هذه الدرجة؛ لأنَّني أتحدَّث عن الجامعة الأُم، عن قائدة ركب التعليم في البلد، في وقت طرحت فيه العديد من الجامعات العربيَّة والخليجيَّة التي أتَتْ بعد جامعة السُّلطان قابوس بسنوات طويلة جميع درجات دراسة القانون.
السؤال الآخر في ذات السياق هو: لماذا لَمْ تطرح درجة الدكتوراه في كُلِّيَّات القانون الخاصَّة والتي وصلت إلى تدريس مرحلة الماجستير في سلطنة عُمان حتى الآن؟ هل الأمْرُ بسبب الشروط والمعايير؟ حيث إنَّ عددًا من تلك الجامعات الخاصَّة نجح بالفعل في تخريج أكثر من دفعة ماجستير، وأقول آن الأوان للمحافظة على أموالنا المهاجرة لطلب دراسة القانون (درجة الدكتوراه خصوصًا) خارج السَّلطنة، آن الأوان لنسلِّمَ راية دراسة القانون (مرحلة الدكتوراه) لمؤسَّساتنا التعليميَّة الوطنيَّة، آن الأوان لنساعدَها على بداية الانطلاق وبعدها نعمل على المراقبة والتحسين، وكُلُّ شيء سيتحقق مع الوقت.
لعلَّ بعض ما يثلج الصدر في هذا السياق هو وجود بعض الأخبار المبشِّرة حَوْلَ أنَّ كُلِّيَّة البريمي الجامعيَّة في طور الإعداد لبرنامج الدكتوراه، بالإضافة إلى جامعة البريمي كذلك لدَيْها برنامج للدكتوراه قَيْدَ الإعداد والمراجعة من قِبل وزارة التعليم العالي.
ثالثًا: موضوع تعمين تدريس القانون في كُلِّيَّات الحقوق. طبعًا أعْلمُ أنَّ جميع كُلِّيَّات القانون أو الحقوق في سلطنة عُمان أفسحت المجال للقانوني والأكاديمي العُماني لتدريس القانون لجدارتهم وإمكاناتهم العالية بنِسَبٍ متفاوتة، ولكن وهي وجهة نظر شخصيَّة أقول إنَّ هذه المساحة وهذا التوجُّه أقلُّ بكثير من المأمول والمقبول. فلدَيْنا من الكفاءات الوطنيَّة في مجال القانون من لدَيْه من العِلم والفكر والخبرة القانونيَّة والأكاديميَّة ما يستحقُّ أن يفسحَ له المجال بشكلٍ أكبر لتقديمها لأجيالنا الوطنيَّة مع أهمِّية الاستفادة من أساتذتنا غير العُمانيين والذين كان وما زال وسيبقى لهم فضل السَّبق في تعليمنا.
على ضوء ذلك أقول بأنَّه باتَ من الضروري إعادة النظر في موضوع نِسَب التعمين فيما يتعلق بتدريس مواد القانون في كُلِّيَّات القانون، خصوصًا الخاصَّة منها، بالإضافة إلى أهمِّية إلزام الكُلِّيَّات الاستفادة من مخرجاتها وغيرهم من الطلبة والباحثين المتميزين الذين يحملون مؤهل الماجستير تحديدًا، ممَّن يملك الخلفيَّة الأكاديميَّة الكاملة أو شِبه الأكاديميَّة (البحثيَّة المجرَّدة) للتدريس، بالإضافة إلى إلزامها بضرورة اختيار بعض مخرجاتها (معيد) وتأهيله للتدريس في ذات الكُلِّيَّة، وهو جانب يجِبُ أن تتدخل فيه الوزارة المعنيَّة بالتنسيق مع بقيَّة المؤسَّسات ذات العلاقة؛ بهدف إفساح المجال للقانوني والأكاديمي العُماني بشكلٍ أكبر بهدف امتلاك الخبرة وتحفيز البحث العلمي، باختصار المفاضلة يجِبُ أن تعتمدَ على السِّيرة الذَّاتيَّة بشكلٍ أكبر، أقصد السِّيرة العلميَّة والبحثيَّة القانونيَّة.
رابعًا: من القضايا التي تلامس واقع تعليم القانون وتنعكس سلبًا على الأكاديميين في مؤسَّساتنا التعليميَّة هو تحويل الأكاديمي إلى موظف، موظف يجِبُ أن يوقِّعَ حضورًا وانصرافًا، موظف يجِبُ أن يوجَدَ في المؤسَّسة الأكاديميَّة طوال فترة الدوام الرَّسمي، موظف يجِبُ أن يقومَ بأعمالٍ إداريَّة لصالح الكُلِّيَّة طوال الوقت، يعني الجانب الأكاديمي الذي يفترض أن يقدِّمَه للطلبة، وهو الأصل من تعليم وتدريب على البحث العلمي وأدوات ووسائل إيصال الفكر القانوني أو الجلوس في المكتبة أو إلزامه بتقديم بحوث علميَّة، أقلّ بكثير من الأعمال الإداريَّة، فلماذا هذا التوجُّه؟
لماذا تكون نسبة المفاضلة أرجح في بعض مؤسَّساتنا الأكاديميَّة للأكاديمي قليل البحوث الأكاديميَّة أو سنوات التدريس(الخبرة)؛ لأنَّه متمكِّن من الحاسب الآلي أو اللغة الإنجليزيَّة في مواجهة أكاديمي لدَيْه التاريخ الأكاديمي المميز في القانون؟
خامسًا: من أغرب ما صادفني في سياق واقع بيئة ومُجتمع القانون ومخرجاته الأكاديميَّة هو الاختبارات التي تُقدَّم لطالب وظيفة باحث قانوني أو أيِّ وظيفة قانونيَّة، حيث إنَّ اختبارات المفاضلة تكُونُ بعيدة في أغلبها عن التخصُّص، فما شأن وظيفة باحث قانوني أو وظيفة قانونيَّة بالألغاز وكأنَّك في برنامج (من سيربح المليون)، ولعلَّ الأمْرَ سيكُونُ مقبولًا لو كانت تلك الألغاز في القانون، ما دخل طالب الوظائف القانونيَّة في تراث الأجداد أو أسئلة في الرياضة؟!
طبعًا هناك العديد من الهموم والقضايا التي يجِبُ أن تطرحَ وتناقش للارتقاء بواقع تدريس القانون في سلطنة عُمان، هناك ضرورة إلى إعادة النظر في البرامج القانونيَّة لتواكبَ متطلبات سُوق العمل، هناك ضرورة لإعطاء الكادر العُماني الثقة لتدريس القانون بشكلٍ أوسع في المؤسَّسات الخاصَّة، خصوصًا الحاصلين على درجة الماجستير لاكتساب الخبرة الأكاديميَّة، بحاجة إلى التوسُّع في البحوث الأكاديميَّة القانونيَّة التي تحتاجها البلد، خصوصًا في القضايا القانونيَّة المستقبليَّة والتحوُّلات الحاصلة على السَّاحة الوطنيَّة والدوليَّة والتي تلامس مستقبل هذا الوطن الكريم، بحاجة إلى عقلانيَّة ومنطقيَّة قيمة السَّاعات الدراسيَّة خصوصًا في مرحلة درجتَي الماجستير والدكتوراه في المستقبل.
رسالة إلى مَن يهمُّه الأمْرُ: يجِبُ التعجيل في طرح برنامج دكتوراه القانون في سلطنة عُمان الآن، فنحن في العام 2023، يجِبُ تسهيل انطلاق هذا البرنامج اليوم وليس في الغد، يكفي هجرة أموالنا وتَغرُّب أبنائنا لدراسة القانون خارج الوطن. أتمنَّى أن تصلَ هذه الرسالة لأصحاب الضمائر والحسِّ الوطني، فليس من المقبول أن لا يكُونَ في سلطنة عُمان برنامج دكتوراه بعد 17 سنة من انطلاقه، ليس من المقبول أن لا يكُونَ لدَْنا برنامج دكتوراه ولدَيْنا أكثر من 5 كُلِّيَّات لدَيْها برنامج الماجستير، ولدَيْنا جامعة عمرها تجاوز 35 سنة منذ انطلاقها.
أخيرًا، لا بُدَّ من الاعتراف بأنَّ هناك جهودًا وطنيَّة كبيرة تُبذل من قِبل الجهات المعنيَّة لتطوير قِطاع التعليم الأكاديمي. ولكن من باب الغيرة نقول إنَّنا بحاجة إلى المزيد، وإلى أكثر ممَّا تمَّ تقديمه، ومع الشكر الجزيل لتلك الجهات والأفراد. لا بُدَّ من القول إنَّ الأمنيات والطموحات أكبر بكثير، ولَنْ يرضيَنا سوى التفوُّق والتميُّز لمؤسَّساتنا الجامعيَّة التي تدرِّس القانون، لذا كُلُّ الأمنيات أن نسمعَ أخبارًا طيِّبة عن هذا التوجُّه (برنامج دكتوراه القانون) في القريب العاجل، وأن يتمَّ تسهيل الإجراءات المتعلقة بذاك من قِبل الجهات المعنيَّة لخوض هذه التجربة الأكاديميَّة التي تستحقُّها هذه البلد، فعُمان ومكانتها تستحقُّ مِنَّا كُلَّ الجهود والتضحيات. وأتصور أنَّ اكتمال المنظومة الأكاديميَّة القانونيَّة (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه) في هذا البلد الحبيب باتَ أمرًا حتميًّا وعاجلًا.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
[email protected]
MSHD999 @