يعي الجميع بأنَّ تغيُّر المناخ يجعل الصَّيف أكثر سخونةً، فيزداد الصَّيف أكثر فأكثر من أن يكُونَ صيفًا جيِّدًا! لذلك ولعقود افترضنا أنَّ الحرارة الشديدة هي مُشْكلة فقط للأطفال الذين يبذلون أنفسهم خلال الرياضة أو الأطفال الذين يعانون من حالة صحيَّة تتفاقم بسبب الحرارة مِثل الربو، ولكنَّ هذه ليست الصورة الكاملة. فخلال موجة الحَرِّ، من المرجَّح أن يتأثَّرَ جميع الأطفال بأعراض الحرارة الشديدة، والتي يمكن أن تُسببَ أمراض الجهاز التنفُّسي والكُلى، فضلًا عن التأثير أحيانًا بالوظيفة الإدراكيَّة.
وحقيقة مع بداية الإجازة المدرسيَّة ونحن في فصْل الصَّيف، قد أطرح سؤالًا مفاده: كيف تكُونُ الحرارة حارَّةً جدًّا؟ ما أعنيه هنا: هل هنالك معيار وطني حقيقي عندما يجِبُ على الأطفال التخلِّي عن الأنشطة الخارجيَّة في فترة الصَّيف؟ وهذا يقودني أيضًا لطرح تحدٍّ آخر، ألَا وهو أنَّ الأطفال يستجيبون بشكلٍ مختلف للحرارة اعتمادًا على العمر وحجم الجسم والتأقلم مع درجات الحرارة المرتفعة والحالات الطبيَّة الموجودة مسبقًا! لذلك من المحتمل أن يكُونَ الأطفال الذين يتناولون بعض المضادَّات الحيويَّة، وكذلك أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو الحساسيَّة، أكثر عرضةً لخطر ارتفاع درجة الحرارة. كما أنَّ الإصابة بضربة الشمس تجعلك أكثر عرضةً للإصابة بها مرَّة أخرى.
بطبيعة الحال، نحن لا نفهم تمامًا الآثار طويلة المدى لإرسال الأطفال في الهواء الطلق في درجات حرارة شديدة، ومع ذلك لا نفهم أيضًا ما يفعله قضاء الصَّيف في داخل المنزل للأطفال. وبكُلِّ تأكيد ليس لديَّ شكٌّ في أنَّه ليس جيِّدًا. خصوصًا وأنَّ هنالك بيانات طبيَّة تفيد بأنَّ وضع الأطفال في الطبيعة هو في الواقع ذو قِيمة لا تُصدَّق للوقاية من اضطرابات الصحَّة النفسيَّة. كيف لا؟ وقد تمَّ علميًّا ربط وصول الأطفال إلى المساحات الخضراء بنظام مناعة أقوى، فضلًا عن انخفاض أعراض العدوان والاكتئاب واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، مقارنة بعواقب المكوث في المنزل.
مع ذلك وبارتفاع درجات الحرارة في صيفنا هذا، يتحمَّل الآباء مسؤوليَّة الحفاظ على سلامة الأطفال في الحرارة. فقد لا يتمكَّن الأطفال الأصغر سنًّا من اتِّخاذ خطوات لتهدئة أنفسهم، ممَّا يعني أنَّ الأمْرَ متروك للوالدين لإبقائهم بعيدين عن أعراض العطش والجفاف أو في الظلِّ إذا بدا عليهم التَّعب أو ظهرت عليهم علامات أخرى تدلُّ على ارتفاع درجة الحرارة، حيث يفقد الأطفال السوائل بسرعة أكبر ويكونون أكثر عرضةً لخطر الإصابة بضربة الشمس؛ لأنَّهم يفتقرون إلى الحُكم اللازم لتقليل مجهودهم البدني أو إعادة أخذ السوائل.
ثمَّ فإنَّه من المُهمِّ جدًّا أن ينتبهَ الآباء والأطفال للحرارة، حيث إنَّه في كثير من الأحيان لا يتعرفون على تأثيرات الحرارة، وهذا يُمكِن أن يوقعَهم في مشاكل مع أعراض الحرارة العالية. وبالتَّالي قَبل ظهور أعراض ضربة الشمس، غالبًا ما يظهر على الأطفال علامات وأعراض الحرارة الخفيفة مِثل التشنُّجات الحراريَّة والإنهاك الحراري. طبعًا يحدث هذا غالبًا كما ذكرنا آنفًا بعد أن يمارسَ الطفل الرياضة أو يلعب في الحرارة ويُصاب بالجفاف نتيجة فقدان السوائل الزائدة والأملاح من التعرُّق. ولا ننسى أنَّ ضربة الشمس هي نوع حادٌّ من أعراض الحرارة التي تحدُث عندما ينتج جِسم الطفل حرارة أكثر ممَّا يُمكِن أن يطلِقَها. وينتج عن هذا زيادة سريعة في درجة حرارة الجسم الأساسيَّة، ممَّا يؤدِّي إلى تلَفِ الدماغ أو الوفاة إذا لَمْ يتمَّ علاجه على الفور. بكُلِّ تأكيد من أهمِّ أعراضه ارتفاع درجة حرارة الجِسم بشكلٍ خطير قريب أو فوق أربعين درجةً مئويَّة، بالإضافة إلى أعراض أخرى منها ـ على سبيل المثال ـ فقدان الوعي، والغثيان وتسارُع ضربات القلب والتنفُّس، وصداع حادٌّ.
ختامًا، يجِبُ على الآباء وخلال أيَّامنا الصَّيفيَّة هذه، المحافظة على رطوبة أجسامهم وهم وأطفالهم، بأخذ الماء خصوصًا عند الخروج من المنزل، وتناول الأطعمة الغنيَّة بالسوائل كالفاكهة والسَّلَطة مثلًا، مع إبقاء الأطفال بعيدًا عن أشعة الشمس خلال أشدِّ فترات النهار حرارة، وذلك بَيْنَ الساعة الحادية عشرة صباحًا والساعة الثالثة مساء. ولعلَّ إبقاء الأطفال داخل مساحة كبيرة في وسط مركز تسوُّق هو الحلُّ في هذه الأيَّام، لِتنتقلَ الإجازة الصَّيفيَّة أحيانًا وبحرارتها إلى أن تكُونَ داخلية بَيْنَ أروقة مراكز التسوُّق!



د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي
[email protected]