خطران جاثمان، مُستجدان يُهددان البَشَريَّة ومصيرها، وإن كانت مُقدِّمات هذيْنِ الخطريْنِ ليست بجديدة، لكن تفاقم مؤخرًا الحديث عنهما بعد الاضطرابات المناخيَّة التي تشهدها الأرض، بما فيها الزلازل التي ضربت أكثر من مكان. وانفلات عجلة التكنولوجيا والتقنيَّات «النَّافعة والضارَّة» على حدٍّ سواء، وصولًا لِما يُسمَّى بـ»الذكاء الاصطناعي».
وعمليًّا، إنَّ الخطر الأوَّل الذي يُداهم البَشَريَّة أكثر من أيِّ وقت مضى، يتمثَّل في ذوبان الجليد أو انحساره عن مساحات كبيرة في المناطق القطبيَّة (القطب الشمالي+ القطب الجنوبي). ممَّا يتسبَّب بارتفاع منسوب المياه، وغمر مناطق من اليابسة، وقد تكون المناطق المغمورة مُدنًا ساحليَّة بأكملها في مختلف القارَّات.
ذوبان الجليد القطبي أو انحساره سببٌ مباشر لارتفاع ظاهرة ما يُسمَّى بـ»الاحترار الجوِّي»، أو ما يُسمَّى بعِلم الفيزياء بـ»ظاهرة الإنتروبيَّة»، الناتجة عن انطلاق ثاني وأوَّل أكسيد الكربون في عمليَّات الاحتراق، مع نواتج إضافيَّة تبعًا للمادَّة التي يجري احتراقها، إن كانت طاقة أحفوريَّة أو غيرها. ومن الجدير أن ندركَ أنَّ المعطيات، الصادرة من أعلى مراكز البحث العِلمي، تحدثت مؤخرًا عن أنَّ نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون بالهواء تبلغ الآن أعلى مستوى منذ أكثر من أربعة ملايين عامٍ مضى. فهي واحدة من أكبر الزيادات السنويَّة المُسجَّلة في مستويات ثاني أكسيد الكربون. والاحتراق المتزايد يتسبَّب في زيادة مساحة «ثقب الأوزون» عند تماس الغلاف الجوِّي من عام لعام يليه.
ويبدو أنَّ العامل الرئيسي في الاحتباس الحراري لا يُظهر أيَّ مؤشِّرات على التراجع أو التباطؤ بالرغم من الإجراءات التي تحاول بعض الدوَل اتِّخاذها، ومنها الاعتماد على الطاقة النظيفة كالكهرباء، إذ إنَّ نِسَبَ غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يحتجز الحرارة داخل الغلاف الجوِّي للأرض آخذة في الارتفاع بالرغم من الجهود المبذولة لبدء تقليل الانبعاثات، لكنَّه يتزايد بشكلٍ أسرع ممَّا كان عليه قَبل عشر أو عشرين سنة، والسَّبب في ذلك تزايد عمليَّات احتراق النفط، حيث يتمُّ يوميًّا استخدام نَحْوِ عشرين مليون برميل من النفط السائل وحده. إنَّ أوَّل من درس تلك الظاهرة قَبل نَحْوِ مائة عام، عالم الفيزياء النمساوي (لودفيج إدوارد بولتزمان)، الذي وضع المعادلة الشهيرة المتعلقة بظاهرة الاحتباس أو «الاحترار الجوِّي».
والخطر الثاني، والذي بدأ يطلُّ علينا في الوقت الراهن، فيتعلق بمجالات الذَّكاء الاصطناعي، الذي ابتدعه العقل البَشَري على أساس خدمة التقدُّم والازدهار في عوالم البناء والارتقاء في الصناعة ورُقي حالة الإنسان، لكنَّ المخاطر تتأتَّى مع احتمال انتقال المبادرة الكاملة في الميدان التي وظَّفها الإنسان في العقل والذَّكاء الاصطناعي الذي ابتدعه بنفسه وهذَّبه وطوَّره وبرمَجه، على أن يبقى آلةً مطواعة تُنفذ البرامج الموضوعة لها دُونَ تفكير، المخاطر في الانتقال إلى حالة من الانفلات يُمكِن أن تتسببَ في إطلاق عمليَّات غير محسوبة قد تؤدِّي لكوارث عند حدوث أيِّ أخطاء قد تقع في سياق عمل الذَّكاء الاصطناعي المُبرمج. فالذَّكاء الاصطناعي في نهاية الأمْر، آلة عمل على إشادتها وبنائها وتدقيقها علماء التخطيط التنموي والعسكري، وبذلوا جهدًا، واستثمروا فيها مالًا وفيرًا، ونحن في انتظار أيَّام لا عهد لنا بمثيلاتها سابقًا في الصناعة والأعمال والاستراتيجيَّات الدفاعيَّة والأنشطة المتعلِّقة بالأمن القومي وغيرها من الأنشطة والقِطاعات بإيجابيَّاتها وسلبيَّاتها التي تقع في خانة الخوف والرعب.



علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]