نعي جميعًا بأنَّ الصبغة الاصطناعيَّة أصبحت منذ سنوات طويلة قابلة للتطبيق تجاريًّا، وكانت من جيل جديد من المواد الكيميائيَّة التي أحدثت ثورة في الطريقة التي يلوِّن بها البَشر ملابسهم، وبعد فترة وجيزة رآها الناس في طعامهم! وهكذا للأسف ما كان، فغيَّرت الأعمال التجاريَّة مظهر ما يأكله الناس. واستطاعت الأصباغ مثلًا أن تبقي البازلاء خضراء بعد التعليب. وهكذا وبمرور العقود أضحت الأصباغ الاصطناعيَّة ـ إنِ استطعت القول ـ واحدة من أعظم القوى في العالم في بيع الأطعمة. وكلَّما زاد عدد الأطعمة التي تمَّ إدخال المواد الكيميائيَّة إليها، زادت المواد الكيميائيَّة التي تحدِّد الشَّكل الذي يجِبُ أنْ تبدوَ عليه هذه الأطعمة... فأين الصحَّة باتت من كُلِّ هذا؟!
والقلق هنا، هو أنَّ الأصباغ تلك لا تضيف ألوانًا فحسب، بل تضيف مخاطر صحيَّة كبيرة، حيث تمَّ ربط العديد من المركَّبات بأنماط فرط النشاط والقلق لدى الأطفال. وحقيقة عندما تبحث في هذا الموضوع، وفي عدَّة أبحاث قد تجد أنَّ التفسير الدقيق للضرر غير واضح، خصوصًا وأنَّه لا توجد مجموعة شاملة من البيانات لذلك! ومع ذلك، يبدو لي ـ شخصيًّا ـ بأنَّ الحجَّة ضدَّ الأصباغ الغذائيَّة الاصطناعيَّة يجب أن تكون بسيطة: ليس لها فوائد غذائيَّة معروفة وربَّما تحمل العديد من المخاطر الصحيَّة! ومن هنا وعندما تبحث بعُمق تجد أنَّه في منتصف القرن الماضي، كانت الشركات تستخدم الأصباغ لإخفاء العيوب أو التَّلف في الغذاء، والتي تسببت بعد ذلك في مرض الكثير من الناس. مع ذلك ظلَّت آنذاك تلك المواد الكيميائيَّة الخطرة مستمرَّة في التدفق في مصانع الغذاء، إلى أن جاء جرس الإنذار، وقرع مناديًا بأنَّه: قد تأذَّى وسقط الكثير من الأطفال في مُجتمعات مختلفة مرضى، نتيجة للمادَّة الاصطناعيَّة التي حوَّلت الحلوى إلى اللَّون البرتقالي، وهي صبغة شديدة السميَّة تسبَّبت في تلَفِ الأعضاء وحتى الموت المبكِّر للحيوانات في المختبرات. لذلك أجزم هنا بأنَّه لا تزال ـ حتى يومنا هذا ـ أسئلة أكثر من الإجابات حَوْلَ تلك الملوِّنات الاصطناعيَّة!
لذلك حاول الكثير من الشركات المُصنِّعة للأغذية استخدام الأصباغ الطبيعيَّة، ولكن بالنظر للربح والخسارة، كانت هنالك تكلفة عالية لمعالجتها أو حتى استخراجها، بل وقد تبدو الألوان غير متَّسقة ـ حسب ما ذكرته تلك الشركات ـ، وتميل إلى التلاشي بسرعة، خصوصًا في وجود الضوء والحرارة.
بطبيعة الحال، هناك خيار آخر، ألَا وهو الامتناع عن إضافة الألوان إلى الأطعمة على الإطلاق. لكنَّ هذا من شأنه أن يغيِّر بشكلٍ أساسي الطريقة التي نختبر بها وجباتنا، خصوصًا وأنَّ تلك الأصباغ والأصباغ المضافة ـ سواء الاصطناعيَّة أو الطبيعيَّة ـ تُعدُّ الدعامة الأساسيَّة ليس فقط للمشروبات الرياضيَّة والحلويات المعبَّأة، ولكن أيضًا المخلَّلات وزبدة الفول السوداني، على سبيل المثال. لذلك كانت الرؤية هي مفتاح التذوُّق: فلا يزال دماغنا يميل إلى ربط اللَّون الوردي والأحمر بالسكر والأصفر والأخضر بكُلِّ شيء لاذع. بل وإنَّه عندما يرى المستهلكون قوس قزح من النكهات في وجباتهم الخفيفة، فإنَّ جاذبيَّة التنوُّع قد تقنع البعض منهم بتناول المزيد من الطعام!
ختامًا، تميل تلك الأطعمة التي تحتاج إلى تعزيز اللَّون بها، إلى أن تكون هي الأطعمة التي يريد الخبراء منَّا بالفعل تجنُّبها: الحلوى والمشروبات الغازيَّة والوجبات الخفيفة المعبَّأة والمعالجة، وخصوصًا تلك التي يتمُّ تسويقها للأطفال! ـ ولعلِّي أقول هنا قلقًا! ـ إن تلك الألوان مبالغ فيها للغاية، وغير طبيعيَّة لدرجة أنَّها تُغري الأطفال حتمًا للوصول إلى عربة البقالة. كيف لا؟ وتلك الأصباغ، التي نطبخها ربَّما قد غيَّرتنا منذ فترة طويلة، وتلاعبت بغرائزنا الأساسيَّة، بل ـ إن لَمْ أبالغ ـ قد شوَّهت شهيَّتنا، وتحوَّلت إلى رفاهيَّة حتى يبدوَ لي بأنَّ العالم الآن غير قادر على الإقلاع عنها!



د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي
[email protected]