الخبز ما زال موجودًا فلسطين، والسنابل ما بقيت تَحمِلُ خيراتها وتُنجب قمحًا، والخميرة تواصل نضوجها. وما زالت أشجار الزيتون واقفة، والأرض الفلسطينية بجبالها ووديانها تُعطي زعترًا وياسمين. إنَّها فلسطين التي ودَّعت قبل أيامٍ خلت الشهيد الشيخ خضر عدنان، الذي صَعَدَت روحه لبارئها في سجون ومعتقلات الاحتلال.الشيخ خضر عدنان، النزيل شِبه الدائم منذ مطلع شبابه في سجون الاحتلال، وقائد معارك الأمعاء الخاوية، والإضراب عن الطعام، رحل في أوج عطائه، وشَعبه الفلسطيني يواصل كفاحه غير المحدود للظفر بحُرِّيته، والحياة الحُرَّة والكريمة تحت الشمس أُسوة بكُلِّ شعوب الأرض قاطبة.الشيخ الشهيد خضر عدنان، سَجَّلَ حالة نادرة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة داخل سجون الاحتلال «الإسرائيلي» إلى جانب جموع الأسرى ومَن سبقه في الاستشهاد بمعارك الأمعاء الخاوية، السلاح المتوافر لديه في مقارعة الاحتلال. فاستشهد وهو منهك وغائب عن الوعي جرَّاء صموده وإصراره على الاستمرار في الإضراب عن الطعام لفترة فاقت 87 يومًا متواصلًا. فكان خضر عدنان شهيد الأمعاء الخاوية التي قاوم بها، في زنزانة في عيادة سجن الرملة، وأكَّد في وصيته: «لا تيأسوا مهما فعل المحتل فنصر الله قريب».تكرر اعتقال الشيخ الشهيد خضر عدنان قرابة ثلاث عشرة مرَّة، وأمضى ما مجموعه ثماني سنوات داخل سجون الاحتلال. ودخل خلال فترات اعتقاله المتكررة خمسة إضرابات عن الطعام وارتقى شهيدًا يوم الثاني من أيار/مايو 2023، في آخر إضرابٍ له، لينضمَّ كُلُّ مَن سبقه من الشهداء في سجون الاحتلال «الإسرائيلي»، والذين بلغت أعدادهم 237 أسيرًا، وكان منهم الشهداء: قاسم ابو عكر التميمي عام 1969، وأنيس دولة، عام 1980، وفارس بارود، ونصار طقاطقة، وإبراهيم الراعي، وعزيز عويسات، وبسام السايح، سعيد الغرابلي، كمال أبو وعر، سامي العمور، وناصر أبو حميد... الذين استشهدوا إمَّا تحت التعذيب، أو نتيجة سياسة الإهمال الطبِّي المتعمَّد، أو من جرَّاء الإضراب عن الطعام الذي لا يستجيب خلاله الاحتلال لمطالب الأسرى المحقَّة وفق القانون الدولي. إنَّها أسلوب ابتكرته «العقلية الإسرائيلية» المسكونة بالإجرام. والتي تبقي حتى جثامين الشهداء مُحتجزة في ثلَّاجاتها بدرجة حرارة أربعين تحت الصفر المئوي. وتحرمه وعائلته من دفنٍ يليق بالبشر وبإنسانية الراحل.الشيخ خضر عدنان، استشهد وله من العمر 44 عامًا، وكان في مقتبل عُمرِهِ مشروع شهادة، كما عرَّفَ دومًا عن نفسه، مدرسة في الثبات بوجه الاحتلال، وسلطات السجون، فكان سلاحه المتوافر بين يديه، سلاح الإضراب والاعتصام، والإضرابات المفتوحة عن الطعام.إنَّه، صفحة مُشرقة في تاريخ النضال الفلسطيني، وأيقونة في سجلِّ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة وشهدائها من كُلِّ القوى والمشارب السياسية والفصائلية الفلسطينية، إنَّه طائر من طيور النورس الفلسطينية، بل هو طائر الفينيق الذي يَخُرُج من بين الرماد أكثر صلابة وقوة، فباستشهاده أعطى الزخم لمَن يتابع الطريق من بعده إلى فلسطين الحُرة الأبيَّة، وعودتها وعودة كُلِّ لاجئ فلسطيني. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]