لقد اهتمَّ المسلمون بوقف الفائض من أموالهم على منفعة وخدمة المسلمين في مجالات مختلفة، ولم يقتصر الوقف لصالح المسلمين فقط، بل امتدَّ ليكونَ الوقف لصالح الناس بصورة عامَّة، وعلى كُلِّ ذي كبد رطبة مثل الطيور والحيوانات، كوقف مصادر المياه، والمزارع، والاستراحات في طُرق السفر، وغيرها. ويتفاوت حجم الأوقاف من زمن إلى آخر في مختلف العصور، فنجد أنَّ الناس يكثرون من وقف أموالهم في عصور معيَّنة، ويتراجع الناس عن وقف أموالهم في عصور أخرى، أو بمعنى آخر يكون حجم الأوقاف بين مدٍّ وجزرٍ على مَرِّ العصور، ويُعلَّل هذا التفاوت في حجم الأوقاف التي توقف في كُلِّ فترة زمنيَّة لعدَّة أسباب نذكر منها:أولًا: أثَر الظروف الاقتصادية في كُلِّ عصر من عصور الأُمَّة الإسلامية، ففي حالة انتعاش الوضع الاقتصادي للأُمَّة، أو بتعبير آخر في حالة تحسُّن دخل الفرد والأُسرة، يكون هناك فائض عن احتياجات الأُسرة، ممَّا يدفع صاحب المال إلى وقف المال الفائض عن احتياجات أُسرته، وندلِّل على ذلك أنَّ في عهد الفتوحات الإسلامية، وخصوصًا في العهد الأموي كثرت الأوقاف وتنوَّعت، حيث حبست الحدائق والمزارع، ومصادر المياه وغيرها، ويؤكد ذلك ما ورد في الجزء الثاني عشر من المعجم الكبير صفحة (453)... (وكثرت الأحباس كثرة واسعة واتسع نطاقها لدرجة أنَّه صار للأوقاف ثلاثة دواوين ديوان لأحباس المساجد، وديوان لأحباس الحرمين الشريفين، وديوان للأوقاف الأهلية). في حين نجد أنَّه خلال العصور التي تعاني من الأزمات الاقتصادية يتراجع الناس عن وقف أموالهم وبالتالي يقلُّ حجم الوقف في مِثل هذه المرحلة.ثانيًا: ضعف الوازع الديني لدى الناس، حيث مرَّت مرحلة بالأُمَّة الإسلامية ضعف فيها الوازع الديني لدى المسلمين وانشغلوا بأُمور الدنيا عن أمور الآخرة، فتراجعت فكرة الوقف، وقلَّ الوعي بها، وبالتالي تراجع الناس عن وقف أموالهم.ثالثًا: ضياع الأوقاف التي أوقفت مسبقًا لضعف إدارتها، وتراخي نظار الوقف وتقصيرهم في رعاية الأوقاف، وتراخي الجهات الإشرافية على التشديد على مراقبة نظار الوقف للتحقق من مدى صرف ريع الوقف في وجهه الصحيح، كما أنَّ ضعف الإجراءات الرقابية على إدارة أموال الوقف الخيري والتحقيق من الحفاظ على عَيْنِ الوقف والحرص على مصلحته كاستثمار الوقف وتطويره ممَّا يؤدي إلى عزوف الناس عن وقف أموالهم خشية ضياعها وعدم انتفاع الناس منها.رابعًا: عدم وعي الناس بمجالات الوقف الخيري المختلفة التي يحتاجها المجتمع، وكيفية استغلال الوقف الخيري لخدمة الناس والمجتمع، إذ يظن البعض أنَّ الوقف يقتصر على دعم المساجد والمقابر، ودفع نفقات العبادة كنفقة الحج أو نفقة إفطار الصائمين، ولا يمتدُّ للعمل الأهلي وخدمة المجتمع والناس، ونرى أنَّ الوعي بمجالات الوقف يتفاوت من عصر إلى آخر، فنجد أنَّ في العهد الأيوبي تنوَّعت المجالات التي يدعمها الوقف الخيري مِثل الوقف على عتق الأسرى وتحريرهم، وتحرير المساجين، لا سِيما المأسورين خلال الحروب الصليبية، وفي العصر العباسي ازدهرت الأوقاف التي تدعم مجالات العِلم والتعليم كإنشاء المكتبات والجامعات.خامسًا: العوامل السياسية ومدى الاستقرار الأمني، ففي فترة الاستقرار السياسي والأمني تجد الناس تقبل على وقف أموالها، وفي فترة الإضرابات السياسية والأمنية يعزف الناس عن وقف أموالهم خوفًا عليها من الدمار والضياع وسوء الاستغلال.سادسًا: وجود إجراءات توثيق دقيقة للوقف الخيري تُسهم في طمأنة الواقف على الحفاظ على الوقف.سابعًا: عزوف الناس عن التطوُّع لدعم وتطوير الوقف الخيري، ففي كثير من الأحيان يحتاج الوقف لجهود المتطوِّعين لتفعيله فعلى سبيل إنشاء دُور وقفية للإيواء يحتاج لمتطوعين لتقديم الخدمات لمنتسبي هذه الدُّور، وكذلك إنشاء أوقاف للتعليم يحتاج لمتطوعين لتعليم الطلبة. وإنَّ عزوف المتطوعين عن دعم هذا النَّوع من الوقاف يحوِّل هذه الأوقاف إلى مبانٍ مهجورة معطَّلة عن تقديم الخدمات للناس.ثامنًا: عدم وجود موارد مدرة لتمويل رعاية الوقف ليتمكن من القيام بِدَوْره، كاستثمار العقارات والاستفادة من ريعها، لصيانة الوقف وتطويره، وتشغيله ليتمكن من القيام بِدَوْره، كدفع أجرة الكهرباء، والماء، وتوظيف الموظفين الذين يقومون بتقديم الخدمات للناس من خلاله.ومن هنا نرى أنَّ على القائمين على الوقف وضع الخطط والتدابير، وتهيئة المناخ الملائم لتشجيع الناس على وقف الفائض من أموالهم، كما يُفضل أن تقوم الجهات المختصَّة لمساعدة الواقفين لتحديد المجالات التي يوقفون عليها أموالهم ويقدِّمون لها الدعم عن طريق تحديد المجالات التي يحتاجها المجتمع، كالحاجة لبناء دُور إيواء للمشرَّدين أو المعنفين أو إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات. ويمكننا القول إنَّ الازدهار والرخاء في العصر ما يؤدي إلى زيادة حجم الوقاف، وفي الوقت نفسه فإنَّ زيادة حجم الأوقاف ينعكس إيجابًا على المجتمع، ويُسهم في زيادة الرخاء والاستقرار في المجتمع... ودُمْتم أبناء قومي سالمين. نجوى عبداللطيف جناحيكاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري[email protected]Najwa.janahi@