صديقي صاحب القلب الطيب والابتسامة الصافية، لم أرَه يومًا إلا مساعدًا للغير، مخلصًا في العطاء، دائمًا ما أراه بشوش الوجه مرح الملامح، بسمرته المميزة. كان نموذجًا للأخلاق الحسنة التي تأكدت أنَّها سلوك سوداني عام، وجدتها حالة عامة لدى أبناء الأشقاء والإخوة في السودان، فهم خليط بين الإنسان المثقف صاحب العطاء اللامحدود وكأنهم اكتسبوه من عطاء أرضهم، فأبناء النيل أصحاب التاريخ التليد، الذي يتقاسم مع بلدي مصر فجر البشرية، والذي يجعلهم في مصاف الأمم الحضارية، ذات السلوك الحضاري الراسخ في التكوين السوداني، فالعنف لم يكن يومًا مكوِّنًا فرديًّا أو جماعيًّا فيما رأيته من سلوك سوداني، أو فيما عاشرته من إخوة جنوب النيل، سواء في بلدي مصر أو فيما التقيته منهم أثناء إقامتي في سلطنة عُمان.لذا هناك في القلب غصَّة وفي العقل حيرة، مما يعرض على الساحة السودانية، وتتداوله القنوات الإخبارية والمنصَّات الاجتماعية من مرئيات عن حالة عنف غريبة عن المجتمع السوداني. صحيح أنَّني أرى الصراع الدائر من زاوية الشأن الداخلي شأنًا سودانيًّا احترامًا لرغبة أبناء النيل، إلا أنَّ الإعلان عن ما يفوق 400 قتيل شأن إنساني، عندما يكون هؤلاء إخوة لي أكنُّ لهم من المشاعر، وأتقاسم معهم وحدة المصير، كمصري، لذا فالصمت جريمة، كما أنَّ الانحياز لطرف جريمة أخرى، يجب ألا ينجر لها أبناء السودان قبل الأطراف الغريبة، وعلى مَن نقلوا صراعاتهم الدولية والإقليمية لساحة السودان أن يتوقفوا. فالسودان العريق الكبير بمكانته وأهله ليس مجرد دولة صغيرة غير ذات ثقل، بل دولة كبيرة لها تأثيرها المتعدد ليس في محيطها الإقليمي والقاري وحسب، بل تأثير ما يدور بها من صراعات بالوكالة سيعمُّ العالم أجمع، لذا على كافة الأطراف الفاعلة المؤجِّجة للصراع أن يدركوا أنَّ عودة السلام لأبناء الشَّعب السوداني ليس مصلحة سودانية فحسب، بل إنَّ ما يسطرون من مكرٍ سيء سيرتدُّ عليهم وعلى مصالحهم في المنطقة، كما أنَّ العقلاء يجب أن يدركوا، أثناء مساعيهم في الإصلاح، خصوصية الشَّعب السوداني، وأن تكون الجهود الإصلاحية مرتبطة دومًا باحترام سيادة الدولة السودانية على كامل أراضيها، والسعي من خلال أنَّها قضية شأن داخلي، فلتقل فيها خيرًا أو لتصمت.ويبقى الجزء الأهم على عاتق أبناء السودان الشقيق، فعليهم الخروج من الأزمة الخطيرة التي يمرُّ بها السودان، وذلك عبر التعاون والتكاتف بين كافة مكوِّنات الطيف السياسي من المدنيين والعسكريين، والعمل سريعًا إلى تحويل هذا الصراع العسكري، إلى منافسة سياسية، وحقن الدماء السودانية الطاهرة. فما يشهده السودان من أحداث، رغم كونه مرحلة دقيقة، إلا أنَّ السودان الشامخ خرج خلال تاريخه الممتدِّ لآلاف السنين مما هو أصعب، ويبقى على كافة الأطراف إعلاء المصلحة العامة للسودان، والترفع عن المكاسب الضيقة؛ انطلاقًا من وقف التصعيد والجلوس على طاولة المفاوضات، وإدراك الجميع أن المعادلة ليست صفرية، ولن يخرج منها كاسب مطلق أو خاسر، إلا ما سيخلفه من آثار وخيمة على المدنيين، وعلى الوضع الإنساني في السودان، خصوصًا وأنَّ المعارك تُخاض داخل المدن السودانية.. حمى الله السودان الشقيق وبلغ أهله الرشاد. إبراهيم بدوي[email protected]