يدرك الجميع بأنَّ البكاء هو ردُّ فعل عادة ما ينتج عن ارتفاع حالة مشاعرنا كبَشَر. بل إنَّ الكثير منَّا قد ذهب به بتعريفات مختلفة، ولكن بشكلٍ وبآخر فهذا البكاء قد لا يكون نتيجة الحزن والغم فقط، بل تعدَّاه لأنْ يكون مرتبطًا بالفرح أو بذلك الذي يبكي خشية من الله، أو يمكن أن يكون رد فعل على الغضب والإحباط أو شعر جميل للغاية أخذتنا كلماته، حتى أنَّنا نراه أحيانًا كوسيلة للإقناع عندما يفشل الحوار فنقول يا لدموع التماسيح تلك!
وهكذا وعلى هذا النحو، غالبًا ما ينظر إلى البكاء على أنَّه تعبير تلك المشاعر الجامحة. لكن هذا تناقض آخر: في الواقع، يمكن أن يكون البكاء أداة قوية لترويض مشاعرنا، وللحفاظ على رباطة جأشنا في حياتنا العاطفية. حتى أنَّني أذهب على أنَّه يحقق التوازن والسلام ـ وربما حتى لمسة ربانية لذلك الفرد ـ.
فالبكاء نتَّفق جميعًا بأنَّه شائع جدًّا وجوهر الإنسان. على الرغم من أنَّ العديد من الأنواع تستدعى في محنة ما للإشارة إلى الحاجة إلى المساعدة، إلَّا أنَّ البَشَر فقط يبكون بالدموع لأسباب عاطفية وليس بسبب تهيج العين! فعليه مهما اختلفت الثقافات نجد أنَّ هنالك عاملين سلبيين للبكاء هما: العجز والخسارة.
وواقعيًّا، قد تكون هناك علاقة أعمق بين البكاء السعيد والبكاء الحزين: كلاهما استجابة للتطرف العاطفي، ممَّا يشير إلى أنَّ الدموع تساعدنا على إعادة التوازن. ولعلَّ تلك المشاعر السلبية الغامرة مُهمَّة ـ حتى المنقذة للحياة ـ في أزمة مثل الانفصال عن أحبائك أو التعرض للتهديد، يخلق الدافع للتصرف بقوة أو بشكلٍ فوري. لكنَّ البقاء في هذه الحالة ليس مفيدًا بعد الأزمة المباشرة، لذلك نسعى لتقليل التوتر وتحسين الحالة المزاجية ـ وهو ما يمكن أنْ يؤدِّيه البكاء بشكلٍ فعَّال ـ.
بطبيعة الحال ربما الأفضل هنا التفكر بعمق للتوازن العاطفي؛ لأنَّه ـ بلا شك ـ مفيد لصحتك، خصوصًا وأنَّه على الرغم من أنَّ المشاعر القويَّة أمْرٌ لا مفرَّ منه، فمن الواضح أنَّ الارتفاعات والانخفاضات العاطفية المُفرطة والمستمرَّة لا ترتبط بالصحة النفسية الجيِّدة. لذلك أحيانًا فإنَّ الأشخاص الذين يعانون من عواطف غير منظَّمة ـ إيجابية وسلبية ـ يعانون ربما من (اضطراب دورية المزاج)، وهو اضطراب مزاجي يقلل من جودة الحياة.
ختامًا، وهكذا وبشكلٍ استثنائي أيضًا، يجب أن نعي بأنَّ البكاء ليس علاجًا للجميع بالطبع. قد يؤدِّي البكاء اللاإرادي ـ في العمل على سبيل المثال ـ إلى الإحراج، وهو أمْرٌ من غير المرجَّح أن يجعلك أكثر سعادة. مع ذلك سيظلُّ هو المفتاح غير السرِّي للتوازن العاطفي والسيطرة على مشاعرك.


د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي
[email protected]