مدينة القدس، هي الكاشفة الصارخة، الكاشفة لأدوار وأداء المُقصرين بعالمنا العربي والإسلامي، بحق مدينة القدس، وتاريخها، ومعناها، وبُعدها. فهي مدينة تُنتهك أوابدها وتاريخها ومكانتها كل يوم، خصوصًا مسجدها الأقصى، وتتبارى عصابات الهمجيات الصهيونية بالمس بأهلها وعموم مواطنيها. فكانت الاقتحامات الأخيرة من قبل جيش الاحتلال «الإسرائيلي» لساحات وباحات الأقصى لتفريق تجمُّعات المرابطين للدفاع عنها.
الاحتلال يواصل ملاحقة المرابطين، والتضييق على المعتكفين في المسجد الأقصى، بهدف تعكير أجواء شهر رمضان المبارك، والحدِّ من الأعداد الغفيرة من المواطنين العرب الفلسطينيين أصحاب الوطن الأصليين، التي تقصد المسجد، والذين بلغت أعدادهم نحو ربع مليون مواطن في صلوات التراويح، وهو ما زاد من «رعب الاحتلال وقلقه» ومعه عصابات المستوطنين، ومجموعات الوزير الفاشي إيتمار بن جفير.
لقد ارتفع منسوب العدوان اليومي الفاشي على عموم شعبنا على أرض الوطن، وامتدَّ خلال اليومين الأخيرين بشكلٍ مُكثَّف في مدينة القدس وقضائها القريب، وفي محيط المسجد الأقصى، وصولًا لتخوم ساحاته، التي اقتحمتها قوات الاحتلال بشكلٍ متتالٍ، في محاولة تفريق جموع المرابطين والمدافعين عن الأقصى من كافة شرائح أبناء الشعب الفلسطيني.
ووفقًا للمعطيات القائمة على الأرض، وخلال شهر آذار/مارس المنصرم 2023، وقع بحق الأقصى خمس وعشرون عملية اقتحام، وتمَّ حظر الأذان 42 في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، خليل الرحمن خلال الفترة ذاته، أي خلال شهر آذار/الماضي 2023.
استفزازات المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى، تحت حماية ورعاية جيش الاحتلال، اعتدت بالضرب على الناس، وأدَّت صلواتٍ تلمودية، في المنطقة الشرقية منه، وكثَّفوا انتهاكاتهم لحرمة الأقصى على شكل مجموعات متتالية، عدا عن أعمال الحفريَّات الجارية أسفل ومحيط المسجد.
إنَّ مجموعات المتطرفين، وخصوصًا عصابات المستوطنين، تعمل الآن، وبضوء أخضر من قبل مراجع القرار الأعلى في كيان الاحتلال، وبإشراف وتوجيه مباشر من قِبل الوزير الفاشي إيتمار بن جفير على تهيئة أمورها من أجل اقتحام الأقصى في يوم ما يُسمى «عيد الفصح» وذبح القرابين، في تحدٍّ سافر للشَّعب الفلسطيني وعموم المسلمين في العالم، وللشرعية الدولية التي تقول بقدسية المكان للمسلمين، واعتبار مدينة القدس مُحتلة. ليس المطلوب التنديد الإعلامي واللفظي كما جرت العادة فقط، بل المطلوب خطوات عربية وإسلامية جادة للدفاع عن القدس والأقصى، بدورٍ ملموس، يُقدم الدعم والإسناد الحقيقي لصمود المقدسيين، ومساعدتهم في الثبات والبقاء والتشبث بالأرض، وهم يواجهون الاحتلال والفاشيات الهمجية. وبدورٍ عربي حقيقي في المنابر الدولية وخصوصًا منها الأمم المتحدة وعموم الأصدقاء في العالم ومؤسسات المجتمع المدني خصوصًا في دول الاتحاد الأوربي.
إن مكانة القدس الروحية لعموم المسلمين والمسيحيين في العالم تقتضي التضحية بالغالي والثمين لنصرتها. فالشَّعب الفلسطيني في الداخل المحتل، يُقدِّم الدَّم النَّقي الطاهر على الأرض، ويروي به تراب القدس وعموم فلسطين، وبكلِّ سخاء منذ عُقودٍ طويلة. وعلى الجميع نصرته والوقوف الحقيقي معه قولًا وعملًا. فالقدس تصرخ وشَعبها يئنُّ لكنَّه ما زال يقف وشامخًا رغم الوجع.


علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]