أحبابنا الكرام.. إن شهر شعبان شهر عظيم فيه من الخيرات وله من الفضائل ما لا يحصى، ولهذا علمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فضل هذا الشهر قولًا وعملًا، فـعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها قالت:(كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته صام في شهر أكثر من صيامه في شعبان) وهو حديث صحيح أخرجه البخاري، وعن هشام بن عروة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان أحب صيامه في شعبان، فقلت: يا رسول الله ما لي أرى صيامك في شعبان؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إنه شهر ينسخ لملك الموت فيه اسم من يقبض روحه في بقية العام فأنا أحب ألا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم)، وعن عطاء بن يسار، عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم في شهر بعد رمضان أكثر من صيامه في شعبان). الجدير بالذكر أن من الخصوصيات العجيبة لهذا الشهر، وذلك أن كل من يموت في تلك السنة ينسخ اسمه في شعبان من الأحياء إلى الأموات، وإن الرجل ليسافر وقد نسخ اسمه فيمن يموت، وعن ثابت عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال:(سُئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أفضل الصيام قال: صيام شعبان تعظيمًا لرمضان)، وعن معاوية بن الصالح قال: إن عبد الله بن قيس حدثه أنه سمع عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول:(كان أحب الشهور إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شعبان يصله برمضان)، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:(إنما سُمّي شعبان لأنه ينشعب لرمضان فيه خير كثير، وإنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب) (الغنية لطالبي طريق الحق 1/‏ 341).
وقد فضّل الله بعض الشهور على بعض، واختار من الشهور أربعة: رجب وشعبان ورمضان والمحرم، واختار منها شعبان، وجعله شهر النبي (صلى الله عليه وسلم) فكما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ـ أفضل الأنبياء كذلك شهره أفضل الشهور، وقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(شعبان شهري، ورجب شهر الله، ورمضان شهر أمتي، شعبان هو المكفر، ورمضان هو المطهر)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(شعبان شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه، وفيه ترفع أعمال العباد إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام، وفضل شعبان على سائر الشهور كفضلي على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله تعالى على سائر خلقه).
وقد كان أصحاب رسول الله يعدون لهذا الشهر عدته، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (كان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا نظروا إلى هلال شعبان أكبوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاة أهل السجن، فمن كان عليه حد أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم، حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا) (الغنية لطالبي طريق الحق 1/‏ 339).
ومن ينظر إلى التركيبة البنيانية لحروف تكوين اسم هذا الشهر يجد أن شعبان خمسة أحرف، شين وعين وباء وألف ونون، فالشين من الشرف، والعين من العلو، والباء من البر، والألف من الألفة، والنون من النور، فهذه العطايا من الله تعالى للعبد في هذا الشهر، وهو شهر تفتح فيه الخيرات، وتنزل فيه البركات، وتترك فيه الخطيئات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الصلوات على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير البريات.. وللحديث بقية.


محمود عدلي الشريف
[email protected]