لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال اللاعب الأبرز على الساحة العالمية، ولا تزال تمتلك أوراق لعب مهمة تغير من مسار الأحداث على الساحة الدولية. صحيح أن العالم يشهد حالة مخاض متعثرة لقوى عالمية تناوئ واشنطن، وتسعى لفرض قواعد تضمن مصالحها، إلا أن واشنطن لا تزال تمتلك أوراقا وأدوات تجعلها الأقوى والأقدر على فرض سيطرتها الاقتصادية والسياسية على العالم. لذا فالأحداث الداخلية التي تشهدها واشنطن تظل محل اهتمام معظم دول العالم، نظرا للتداعيات والتأثيرات التي تصاحب أي تغيير في واشنطن على باقي دول العالم، خصوصا وإن كان التغيير هذه المرة في منصب مهم مثل انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب الأميركي، والذي يعد ثالث أهم منصب في النظام السياسي الأميركي.
ولعل الصخب الذي شهدته انتخابات خليفة الديمقراطية نانسي بيلوسي، والذي امتد لأكثر من 15 جولة، حتى تم انتخاب كيفن مكارثي، يعكس ما تشهده واشنطن من انقسام سياسي داخل الأحزاب نفسها، والذي سينعكس بالتأكيد على سياسات واشنطن الاقتصادية والسياسية داخل أميركا وخارجها، والذي سينعكس بدوره على العالم أجمع، خصوصا وأننا في بداية عام يشهد توقعات بعيدة عن التفاؤل على الصعيدين السياسي والاقتصادي. لذا فسياسات واشنطن الداخلية، خصوصا الاقتصادية منها، سيكون لها مردود كبير على محاولات الخروج من المأزق الاقتصادي العالمي، الذي يشهده العالم جراء التداعيات الاقتصادية والسياسية لللازمات التي تكالبت على العالم في السنوات القليلة الماضية.
إن الانقسام في الحزب الجمهوري الذي أظهرته مرات اقتراع مكارثي ليس شأنا أميركيا داخليا، بل إنه يظهر أن الجناح المتشدد داخل هذا الحزب، بات له صوت مؤثر، وأن نجاح مكارثي ارتبط بصفقات مع هذا الجناح تؤشر إلى عودة السياسات الترامبية التي دفع العالم أجمع ثمنها، في حقبة الرئيس الأميركي السابق ترامب، وأن البطة العرجاء التي كانت دائما عنوانا أميركيا؛ لعدم انفراد حزب بكافة الصلاحيات داخل النظام الأميركي باتت أشد عرجا جراء مداولات انتخاب مكارثي. وهناك مخاوف على الصعيد العالمي أن تؤثر تلك السياسات الاقتصادية والسياسية المتشددة، تأثيرا سلبيا على الصعيد العالمي، يفاقم ما نمرُّ به من أزمات كبرى.
وتأتي هذه المخاوف نتيجة توقعات ما تم في الغرف المغلقة من صفقات، حتى يتم انتخاب الرئيس الجديد للنواب الأميركي، فلم تكن مهمة الحصول على أصوات هؤلاء الجمهوريين المتمردين سهلة. فمن المؤكد أن مكارثي قدم وعودا وتنازلات كبيرة تحدُّ من سلطته وتزيد من نفوذ وتأثير المحافظين في مجلس النواب، وتزايدت التكهنات حول هذا النفوذ وتأثيره على الأوضاع المحلية والعالمية، خصوصا في المناطق الملتهبة في طول المعمورة وعرضها، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، التي تعرف جيدا خطورة تنامي تأثير الجناح الجمهوري المتشدد في السياسات الأميركية في المنطقة، خصوصا وأنها تأتي في ظل حكومة إسرائيلية تعد من أشد الحكومات تطرفا في تاريخ دولة الاحتلال.


إبراهيم بدوي
[email protected]