إن الله تعالى خلق الناس وجعلهم في اختلاف وتنوع يعجب العقل ويندهش ويقف ذليلًا مغلوبًا من قدرة الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولهذا أعجز الله تعالى العقول بهذه الآية التي أودعها بني آدم، وصدق الله تعالى إذ يقول:(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين) (الروم ـ ٢٢)، ومن الأمور العجيبة التي تظهر اختلاف البشر وتنوعهم اختلاف عقولهم بين الفهم وعدمه، وبين الحلم والسفه، وبين التعقل والتجهل، وتستوقفنا هاتان الصفتان الأخيرتان لما لهما من أهمية بين البشر، لو تعامل الناس بهما بين بعضهم لما أطل اختلاف برأسه بينهم، وإليكم قرائي الكرام إشارة إلى بعض ما ورد حول الفروق بين هاتين الصفتين العامتين واللتين بهما يستطيع الإنسان أن يعامل كل من يقابله بما يتفق معه، فـ(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: قَلِيلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا إِذَا عَبَدَ اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا إِذَا عَجِبَ بِرَأْيِهِ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: عَالِمٌ وَجَاهِلٌ فَلَا تُمَارِ الْعَالِمَ وَلَا تُحَاوِرِ الْجَاهِلَ)(جامع بيان العلم وفضله 1/ 99).وورد في (شعب الإيمان 11/ 40):(قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ وَجَاهِلٌ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا تُؤْذِهِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا تُحَاوِرْهُ)،وفي (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف 2/ 305):(عَن عَليّ ـ رَضِي الله عَنهُ ـ قَالَ: لما أنفذني النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ إِلَى الْيمن قَالَ: يَا عَليّ النَّاس رجلَانِ فعاقل يصلح للعفو وجاهل يصلح للعقوبة)،وفي (تفسير القرطبي 16/ 239):(قال قتادة: الناس رجلان: رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع).(فلا يكونن عفوك وتجاوزك وحلمك وإغضاؤك سبباً للجراءة عليك، وعلةً للإساءة إليك. فإن الناس رجلان: عاقلٌ يكتفي بالعدل والتأنيب، وجاهلٌ يحوج إلى الضرب والتأديب، فمن عفا عمن يستوجب العقوبة، كمن عاقب من يستوجب المثوبة. إذا عقدت فأحكم، وإذا دبَّرت فأبرم، وإذا قلت فاصدق، وإذا فعلت فارفق. ولا تستكف إلّا الكفاة النصحاء، ولا تستبطن إلا الثقات الأمناء)،وقال حكيم: (من نصحك أحسن إليك ومن وعظك أشفق عليك عدّ أضعف أعدائك قويًّا وأجبن أوزارك جريًا. الناس رجلان عاقل لا يحتاج للتأديب وجاهل يحتاج للتأديب)(لباب الآداب لأسامة بن منقذ 1/ 63).ومن أجمل ماورد في هاتين الصفتين العقل والجهل ما ورد في كتاب (بستان الواعظين ورياض السامعين، ص: 196):(حُكيَ عَن أَحْمد بن أبي الْحوَاري ـ رَحمَه الله ـ أَنه قَالَ: خرجت يَوْمًا للقبور فَذكرت الْمَوْت فِي نَفسِي وَالْبَلَاء، فَرَأَيْت شَابًّا بَين الْقُبُور منصرفا قد استفرغه الْخَوْف والبكاء، فَقلت لَهُ: من أَيْن أَقبلت أَيهَا الْفَتى؟ فَقَالَ: من هَذَا الجهة، قلت: وَأي شَيْء قلت لَهُم؟ قَالَ: قلت لَهُم مَتى ترحلون؟ فَقَالُوا: حِين تقدمون. ثمَّ ولى عني وَهُوَ يبكي، فتبعته. فَقلت لَهُ: أَيْن تُرِيدُ؟ فَقَالَ: ألتمس الْعَيْش؟ فَقلت لَهُ: كَيفَ تلتمس الْعَيْش بَين الْقُبُور؟ وَأي شَيْء هُوَ الْعَيْش عنْدكُمْ؟ قَالَ: إِنَّمَا الْعَيْش عندنَا هُوَ الْإِقْرَار بتوحيد الله وَالْوُقُوف بِفنَاء الله والخضوع بَين يَدي الله والتلذذ بحلاوة مُنَاجَاة الله. قلت لَهُ: أَخْبرنِي عَن الصَّادِق لله فِي حبه مَتى يشتاق إِلَى لِقَائِه؟ قَالَ: إِذا نزع الله حب الدُّنْيَا من قلبه وتبرم بِبَقَائِهِ بَين خلقه، فَحِينَئِذٍ يشتاق إِلَى لِقَائِه. قَالَ قلت لَهُ: كَيفَ النجَاة من مُخَالفَة النَّاس؟ قَالَ: إِنَّمَا النَّاس رجلَانِ عَاقل وجاهل فالعاقل اشْتغل بعيوب نَفسه عَن عُيُوب غَيره وَقَامَ مُجْتَهدا بِطَاعَة ربه فَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَيْك وَلَا إِلَى غَيْرك. وَأما الْجَاهِل فَلَا يُبَالِي كَيفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْك بالاستئناس بِالْوَاحِدِ القهار، وَقد فتح لَك بَاب التَّوَكُّل عَلَيْهِ إِنَّه رؤوف رَحِيم لَا يسلمك، ثمَّ تصافحنا وتفرقنا ودعا لي فَمَا رَأَيْت أنور قلبا مِنْهُ، عباد الله ارحموا أَنفسكُم قبل نزُول الْعَذَاب فَإِن الْقَبْر لَا يرحم من لَيْسَ لَهُ عمل وَلَا يشفق على من غره طول الأمل وَلَا يحن على من ضيع أَيَّام الْمهل)..نسأل الله أن نكون من أهل الإيمان والعقل والحكمة. محمود عدلي الشريف[email protected]