نستكمل حديثنا الذي بدأناه في العدد السابق في مقالنا المنشور في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن العُمانية) المعنون باسم: (جولة في مكتبة جامعة بغرناطة) حيث كان مناسبة الحديث الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية الذي حددته الأمم المتحدة مطلع شهر ديسمبر من كل عام، كإحدى القضايا المهمة التي تستحق أن يعلن لها يوم للاحتفال والاحتفاء به، ولفت الأنظار لهذه القضية، وقد حددت الأمم المتحدة موضوعا لاحتفالية هذا العام 2022 وهو: (مساهمة اللغة العربية في الحضارة والثقافة الإنسانية)، وقد ناقشنا هذا الموضوع من خلال مناقشة مفهوم شاع بيننا وهو: أن اللغة العربية لا تصلح كلغة للعمل والوظيفة وتعلم العلوم الحديثة، بل هي لغة للتواصل الاجتماعي وللعبادة فقط كالصلاة والدعاء وقراءة القرآن الكريم، فمن أراد أن يدرس العلوم الحديثة بأنواعها عليه أن يتقن اللغة الإنجليزية، فالطب يدرس باللغة الإنجليزية، وكذلك الهندسة والفيزياء وغيرها من العلوم.وبيَّنا أن المشكلة تزداد تعقيدا عندما يمتد العزوف عن استخدام اللغة العربية في مجال العلم والعمل ليتعداه ويصل إلى العزوف عن التحدث باللغة العربية في مجال التواصل والتفاعل الاجتماعي، فتجد الكثير من الشباب يتحدثون بلغة ممزوجة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية، فهم يتحدثون بلغة مشوهة، فشبابنا لا يتقنون اللغة الإنجليزية ولا يتقنون اللغة العربية.نعم إن المشكلة تفاقمت حينما امتد الخلل ليصل إلى اللغة العربية كلغة تحدُّث وتواصل بين الناس، خصوصا بين فئة الشباب والأطفال، فأنت عندما تستمع إلى المذيعين أو مقدِّمي البرامج في وسائل الإعلام الرسمي أو الاجتماعي تجد أن المتحدث باللغة العربية الفصحى يلحن في اللغة فيجر المرفوع، وينصب المجرور ويخطئ في نطق الحروف، بل ربما يقلب الحروف فينطق القاف غين أو العكس أو الضاد ظاء، أو الذال زين، وعلى الرغم من شيوع الأخطاء اللغوية في حديث الإعلاميين والذين لهم الأثر الكبير في نشر الثقافات وتأصيلها في المجتمع، إلا أن الناس تقبلوا هذا اللحن في اللغة، وألفوا تلك الأخطاء حتى أن آذان المستمعين لم تَعُدْ قادرة على رصد الأخطاء اللغوية، ولا تتأذى لسماعها.ولا تقف المشكلة عند شيوع الأخطاء اللغوية لدى المذيعين ومقدِّمي البرامج في وسائل الإعلام، بل تجاوز الأمر في التهاون في استخدام اللغة العربية الفصحى إلى أن الإعلامين يتكلمون باللغة العربية الفصحى الممزوجة باللهجة العامية، وهي ما أسموها باللغة البيضاء، ويزداد حجم المشكلة عندما نرى أن المستمعين لهذه اللغة المشوهة؛ أي (اللغة العربية البيضاء) قد تقبَّلوا سماعها وألفوها ولم ينكر أحدٌ هذا التهاون في مزج اللغة العربية الفصحى بالعامية، ولم ينكروه ولم يدافع أحدٌ عن اللغة الأُم.ولعلَّنا نَعُدُّ تزايد مشكلة التهاون في استخدام اللغة العربية الفصحى والحفاظ عليها كنُموِّ كرة الثلج إذ تكبر ويزداد حجمها مع حركتها وانحدارها إلى الأسفل، إذ يزداد حجم المشكلة عندما تختلط لغة الشباب بين اللغة العربية العامية واللغة الإنجليزية، وهي ما تُسمَّى بلغة الـ(chicken nugget) فأنت عندما تستمع لمجموعة من الشباب يتحاورون تجد أن غالبية الكلمات التي يستخدمونها هي كلمات باللغة الإنجليزية وينطقونها بلسان ملوي في شيء من التعالي والتباهي. والمشكلة أن هذه الفئة من الشباب لا يتقنون اللغة العربية ولا يتقنون اللغة الإنجليزية أيضا، وإنني لأستحي أن أقول إن شبابنا بدأوا يمشون مشية الغراب!!! فيا حر قلباه على شباب العرب. ونزداد نحيبا عندما نكتشف أن المشكلة لا تقف عند مشكلة تحدُّث الشباب بلغة مشوهة، بل تمتد للكتابة، فهم يكتبون بلغة غريبة، إذ يستخدمون الحروف والأرقام الأجنبية ليعبِّروا عن كلمات باللغة العربية، وهي اللغة التي أسموها بلغة (العربيزي). وهذه الكلمة مزيج بين كلمة العربية والإنجليزية، فالنصف الأول من الكلمة (العرب) مختصر لكلمة العربية، والنصف الثاني (يزي) مختصر من كلمة إنجليزي.وهنا لا نشير بأصابع الاتهام لوسائل الإعلام فقط، بل إن أصابع الاتهام تشير لأولياء الأمور الذين يحرصون على أن يعلموا أطفالهم اللغة الإنجليزية منذ الشهور الأولى في حياتهم لتكون اللغة الإنجليزية هي اللغة التي يتحدثون بها في البيت، وهنا نتساءل: ما اللغة الأُم لهذه الفئة من الأطفال؟ هل هي اللغة العربية أم الإنجليزية ؟وهناك ندرك أننا تراجعنا عن الاهتمام باللغة العربية لغة القرآن الكريم، وتنازلنا عن الحفاظ عليها شيئا فشيئا، وبذلك تراجعنا عن التمسك بأحَدِ ثوابت ثقافتنا العربية الإسلامية، والخوف كل الخوف أن يمتد هذا التراجع إلى باقي ثوابت الأُمَّة، فعلينا أن نشد الهمم ونبذل الجهود لتنشئة الأبناء على الاعتزاز باللغة العربية والتمسك، فالمشكلة في تزايد مستمر، والخوف كل الخوف من أن تنتقل العدوى ويمتد التساهل لباقي ثوابت الأُمَّة... ودُمْتم أبناء قومي سالمين. نجوى عبداللطيف جناحيكاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري[email protected]Najwa.janahi@