في جلسة حوارية طرح أحد الحاضرين مشكلته مع أحد عمَّاله الذي أوهمه أنه يريد السفر إلى بلاده لمدة شهر قبل أن ينتهي عقد العمل المحدد له، ورغم غلاء التذكرة التي تقارب ضعفَي التذكرة إلى دولة سياحية مثل تركيا، إلا أنه نتيجة للمعاملة الراقية التي كان يعامل بها ذلك العامل لم يشك ولو لحظة واحدة أنه يبيع الوهم له. ولكن حدثت الصدمة عندما وصل العامل إلى بلده ولم يجب على رسائله التي بعثها له، عندها أدرك أنه وقع في المطبِّ الذي لم يكن يتوقعه. ليست هنا المشكلة التي يتحدث عنها هذا الشخص، بل المشكلة في أنه ظل طوال تلك الفترة يحدوه الأمل في عودة ذلك العامل، ورغم المحاولات المتكررة التي قام بها فقط لمعرفة إذا كان سيأتي أم لا؟ هو فقط ـ كما يدَّعي ـ يريد معرفة قراره على الأقل؛ لكي يرتب أموره للحصول على عامل آخر بدل الانتظار الذي لا جدوى منه، وسؤاله هنا مستنكرا: لماذا لا يقول هذا العامل الحقيقة على الأقل عند وصوله لبلده واطمئنانه أن لا أحد يلاحقه أو سيجبره على العودة؟ لماذا يصمت ولا يقول الحقيقة حتى ولو كانت بالنفي؟ هنا يلتقط صديق آخر طرف الحديث ليعلِّل لصاحبنا ويواسيه بأن الأمر هو في الواقع ثيمة إنسانية بمعنى أنك تتحدث عن عامل لا تربطك به سوى علاقة عمل، وقد يكون أصلا لا يفقه شيئا في إتيكيت التعامل، فكل هذه الأمور لا تشكِّل بالنسبة له شيئا ولا يعنيه كم دفعت من مبالغ ولا يهتم أصلا بمدى حاجتك لعامل آخر. ولكن مشكلة هذا الصديق تتمثل ـ بصورة أبشع ـ في علاقاته مع أصدقائه، حيث يتحدث عن أصدقاء(إذا جاز لنا اعتبارهم كذلك) قضى سنوات معهم وكان لهم نعم الأخ ونعم الصديق، ولكنهم ودون سابق إنذار ابتعدوا عنه وبدون سبب مقنع، بل وبخلوا عليه بذكر السبب حتى لو كان مصطنعا، فكيف بعامل؟ إنهم في الواقع لم يراعوا حتى أبسط حقوق الصديق وهي أن يعرف لماذا لم تعد القدرة على التواصل معه ممكنة، لم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد فتح حوار تستطيع من خلاله فهم سبب ابتعادهم حتى ولو كان ذلك أمرا حتميا، فهو في النهاية حق مكتسب.
إن قدرة أي شخص على الامتناع عن قول الحقيقة وتوضيحها للطرف الآخر أيًّا كانت نوعية هذه العلاقة هي نوع من الجبن الذي يختبئ وراءه الكثير من الأشخاص الذين نتعامل معهم، دون اكتراث لما يسببه امتناعهم من عواقب وخيمة على الطرف الآخر، هي نوع من الأنانية التي تغوص في النرجسية والكبرياء البَشري.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ عند البعض، بل يلقي باللوم عليك في أنك لم تقم بواجبك تجاهه وسؤاله عن سبب ابتعاده مثلا في حالة صديقنا الثاني الذي يحكي تجربته في هذا المجال، بل ويضع الحلول لمثل هذه الحالات والتي تتمثل في إلغاء هذه النوعية من البَشر من حياتك وللأبد. باختصار، لأنهم لا يستحقون حتى أن تقف لتسألهم، فالذي هانت عليه العشرة ـ كما يقول بحيث لم يعد قادرا لتبرير ابتعاده ـ هو في الواقع لا يستحق حتى مجرد التفكير به، جميل هذا الحل يا صديقي، ولكن المشكلة مع صاحبنا الأول الذي ذهب عامله إلى الأبد وخسر أمواله، كيف السبيل في معالجة هذا الأمر؟ أعتقد أنه كسب درسا في حياته، سيعيد التفكير فيه عندما يجد موقفا مشابها له، وسيفهم ـ بلا شك ـ أن هنالك الكثير من البَشر لا يستطيعون في الواقع قول الحقيقة خوفا وعدم اكتراث بمن يتعاملون معهم؛ لأن نفوسهم المريضة كما هو عامل صاحبنا يرى أنه لا يستحق حتى مجرَّد رد بنعم أو لا.
د. خصيب بن عبدالله القريني
[email protected]