بات من المؤكد أن انتخابات التجديد النصفي الأميركية ستجرى يوم الثامن تشرين الثاني/نوفمبر 2022، حيث يتوجه الناخبون الأميركيون صوب صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، فينتخبون ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الذين يتم انتخابهم كل ست سنوات، وجميع أعضاء النواب الذين يجري انتخابهم كل عامين.
فالانتخابات تشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إضافة إلى 35 من مقاعد مجلس الشيوخ البالغ عددها 100 مقعد، وحكام 36 ولاية من أصل خمسين ولاية. ويتنافس الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة: الحزب الديمقراطي، والحزب الجمهوري، على الحصول على الأغلبية في الكونجرس، بمجلسيه، النواب والشيوخ، في انتخابات ستكون على الأرجح عالية التنافس والاحتدام في المجتمع الأميركي على خلفية القضايا المطروحة والتي تهم الشارع الأميركي على المستوى الداخلي والخارجي.
في الوقت الحالي، يسيطر الديمقراطيون على مجلس النواب بأغلبية بسيطة لا تتجاوز تسعة مقاعد، في حين يقتسمون مع الجمهوريين مجلس الشيوخ مناصفة (50+50)، مع صوت نائبة الرئيس، كاميلا هاريس، مُرجحًا. أما على مستوى الولايات، فتوجد 28 ولاية يحكمها حاكم جمهوري، و22 ولاية يحكمها حاكم ديمقراطي. وفي بعض الولايات، يقتسم الحزبان السيطرة على منصب حاكم الولاية والأغلبية في المجلس التشريعي الخاص بالولاية. وترجِّح استطلاعات الرأي الأخيرة التي جرت في الولايات المتحدة، والمنشورة إعلاميًّا، تفوقًا للحزب الجمهوري في انتخابات مجلس النواب والولايات، في حين تنقسم الآراء بشأن السيطرة على مجلس الشيوخ.
لذلك يراهن الكثير من المراقبين والمتابعين على تقدُّم الجمهوريين في الانتخابات النصفية المُقبلة، التي يعدها كثيرون مفصلية في ظل الانقسام العميق السائد في المجتمع الأميركي، إلا أن الأخطر هو تداعيات ذلك على انتخابات 2024، التي ستشمل منصب الرئاسة.
من جهتهم، لا تتوقف هواجس الديمقراطيين بشأن فوزٍ جمهوري مُحتمل في الانتخابات النصفية المقبلة، أن يسعى مجلس النواب في حال سيطرة الجمهوريين عليه إلى محاولة عزل الرئيس جو بايدن، وهو ما قد يقود إلى فوضى سياسية كبيرة في الولايات المتحدة، ومن شأنها أن تفاقم أيضًا حدَّة الانقسام في الطريق إلى انتخابات 2024.
إن الهاجس الأساسي لدى الجمهور الأميركي والذي يُتوقع أن يصوِّت بكثافة، وعلى المستوى الداخلي، يتمحور حول مسائل وقضايا ملف “الهجرة غير الشرعية”، وملف “الإجهاض”، وملف “العنصرية” المستشرية. والأهم حول قضيتَي الاقتصاد والتضخم، ويكتسب الاقتصاد والتضخم أهمية مُضاعفة في الدوائر الانتخابية التي يشتد فيها التنافس بين الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، والتي يعاني فيها عامة الناس في المجتمع بسبب زيادة معدلات التضخم، وارتفاع الأسعار، وخصوصًا أسعار الطاقة كالبنزين وغيره. فالأميركيون، وحسب نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، يعدون التضخم أهم مشكلة لديهم، وهو ما يستغله الجمهوريون في معركتهم الانتخابية، لا سيما في ظل أزمة الطاقة التي يحمِّل الحزب الجمهوري إدارة الرئيس جو بايدن مسؤولية ما وصلت إليه بسبب سياسته الخارجية وإدارته لبعض الملفات.
كما أن المسائل الخارجية لها تأثيرها ودورها، على المزاج العام، وبالتالي على الخيارات الانتخابية لعموم الناس، ومنها مسألة العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وتورط الإدارة الأميركية بها من خلال تسعيرها وتقديم المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا على حساب دافع الضرائب الأميركي. وقد صوَّت النواب الجمهوريون بأكملهم تقريبًا في سبتمبر/أيلول الماضي 2022، ضد قانون ينص على تقديم ثلاثة مليارات دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا على شكل أسلحة وإمدادات مختلفة ورواتب للجنود الأوكرانيين. لكن القانون أقرَّ بدعم كل الديمقراطيين. وهنا تتسارع الضغوط على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في المجتمع الأميركي ومن قبل منافسي حزبه، بسبب التداعيات الاقتصادية للنزاع، مع استمرار وتصاعد الصراع، وتداعياته على الداخل الأميركي، والتكلفة السياسية لتعامل إدارة بايدن مع الصراع.
إن كل ما يهم المواطن الأميركي هو التداعيات المباشرة للصراع إياها على حياته الخاصة، لذلك تبنى البيت الأبيض استراتيجية اتصال مرنة لشرح موقفه من تطورات هذه العملية العسكرية الروسية وتقديم التبرير للمشاركة غير المباشرة بها للجمهور الأميركي، حيث اعتمد فيها على المؤتمرات والإحاطات الصحفية وبيانات تواتر ويتواتر صدورها، والاتصال المباشر مع وسائل الإعلام التقليدية والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لطمأنة المواطن الأميركي.
وبالاستخلاصات الأخيرة، نقول، يصوِّت الأميركيون بالانتخابات النصفية الشهر القادم تشرين الثاني/نوفمبر 2022، وسط أجواء تسودها توترات سياسية ومخاوف من تجدد أعمال العنف التي قد تطول حتى المشرعين والمسؤولين الانتخابيين، وفق ما حذر منه في أيلول/سبتمبر الماضي (كيم وايمان) رئيس أمن الانتخابات في وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية. لذلك قد تواجه عملية الانتخابات نقصًا في منظميها طالما استمروا في تلقي تهديدات. كما في التهديدات التي يتلقاها المرشحون بارتكاب أعمال عنف ضد الطبقة السياسية، وقد ارتفعت بشكلٍ حادٍّ في السنوات الأخيرة. وبالتالي فإن الانتخابات النصفية المقبلة ستكون حامية الوطيس، في ظل تعادل القوى والحضور تقريبًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.




علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]