أيها القراء الكرام .. ونحن في نسمات المولد النبوي العطرة نستنشق عبيرها، ونستظل بظلها، ونقتطف من ثمارها، فهي مناسبة مباركة جليلة كان لها الترتيب الاستراتيجي نادر النظير، بترتيب إلهي مدبر أحكم التدبير، وتوقف بنا الحديث عند موقف أهل الكتاب الذين استاروا بسفينتهم المثقوبة ليعودوا إلى عباب البحر فارين من شاطئ الأمان الذي ولد فيها النبي المبارك محمد صلى الله عليه وسلم نبي آخر الزمان الذي كانوا ينتظرونه ويستفتحون على الناس به ويتوعدون الناس بالنصرة عليهم بعد خروجه،وما أن عرفوا أنه لن يخرج منهم وقد اقتربت سفينتهم من شاطئه حتى استداروا مرة أخرى ليواجهوا عباب الظلمات في بحار المجهول فرارا من شطئ الحقيقة النورانية النبوية المحمدية الخالدة، وقد جاءت إشارات في كتاب الله تعالى تدل على أن الله تعالى خاطبهم بما يعلمون،ومن تلك الإشارات في قول الله تعالى لهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرةـ ٤٠)،وقوله تعالى:(سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَاجَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرةـ ٢١١)، و(يفهم من دلالة هذهالإشارات في الآيات الكريمة أن اليهود في الجزيرة كانوا من بني إسرائيل لا من العرب؛ حيث كان النداء لهم ببني إسرائيل، ويذكر أن اليهودية لم يعتنقها أحد من العرب في يثرب، ويبدو أن من تهود من العرب كانوا أعدادا قليلة لا تُذكر لقلتها، وعدم تأثيرها في الناس، كما أنها لا تستحق نداء باسمها على الخصوص؛ ولذلك فهي مندرجة في نداء الله لبني إسرائيل، هذا..والمطلع على هذا التنوع في أديان العرب يدرك حكمة الله تعالى في جعل الإسلام ينبع أولا من العرب؛ حيث يمكن مناقشة أصحابها بسهولة ممكنة، وشمول تام، وعلى الرغم من ذلك فقد وصلطغيان اليهود وتحكمهم في معظم بلاد العرب إلى حد كبير، فقد كانت لهم بلاد كاملة لا يسكنها غيرهم كخيبر، كما كانت لهم الكلمة المسموعة في يثرب، بل شكلوا خطرا على أهل يثرب، فضلًا عن أنهم كانوا يتوعدونهم بأنهم ستكون لهم الغلبة عليهم أكثر ـ كما ذكرت سابقًاـ إذا ظهر ذلك الرسول المنتظر، الأمر الذي جعل خروجه منهم مستحيلا، إذ لو خرج منهم وهم على ذلك الطغيان فكيف سيكون حالهم؟ لاشك أنهم سيكون أسوأ، وأن النبي المنتظر طالما منهم كان لاشك سيتأثر بهم، وهذا أمر لا يتفق مع المبادئ العادلة التي أسس عليها الإسلام دولته، الأمر الذي يستلزم خروجه من مكان لا تنظيم فيه حتى لا يقال أخذ من النظام ويريد التعديل، والجدير بذكره كما في (السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي، ص: 54):(كان اليهود يسكنون عند الميلاد في فلسطين، فلما تعرضوا لاضطهاد الرومان وخاصة على يد “تيطس” الذي دمر لهم “أورشليم” في المرة الثانية، رحلوا إلى البلاد المجاورة؛ كالعراق، ومصر، والجزيرة العربية)، (ويذكر المؤرخونالعرب ـ الإخباريون ـنقلا عن اليهود في الجزيرة العربية أن أول قدوم اليهود الى الحجاز كان في زمن موسى عليه السّلام عندما أرسلهم في حملة ضد العماليق في تيماء، وبعد قضائهم على العماليق وعودتهم إلى الشام بعد موت موسى، منعوا من دخول الشام بحجة مخالفتهم لشريعة موسى،ولاستبقائهم ابنا لملك العماليق. فاضطروا للعودة إلى الحجاز والاستقرار في تيماء، ثم انتقل معظمهم إلى يثرب) (بينات الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـومعجزاته، ص: 55).ويؤكد هذا الكلام صاحب كتاب (شرح رياض الصالحين، 4/ 450)حيث يقول:(واليهود كانوا في المدينة وكان أصلهم من مصر من بني إسرائيل ثم انتقلوا إلى الشام إلى الأرض المقدسة التي قال لهم نبيهم موسى ـ صلى الله عليه وسلمـ كما (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدةـ ٢١)،وكانوا يقرءون في التوراة أنه سيبعث نبي في آخر الزمان، وأنه سيكون من مكة ومهاجره المدينة، فهاجر كثير منهم من الشام إلى المدينة ينتظرون النبي محمدـ صلى الله عليه وسلم ـ ليتبعوه، لأنه قد نوه عن فضله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التوراة والإنجيل، فقد قال الله تعالى:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعرافـ ١٥٧)،وكانوا إذا جرى بينهم وبين المشركين شيء يستفتحون على الذين كفروا يقولون سيبعث نبي ونتبعه ونستفتح به ونغلبكم كما(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرةـ ٨٩)، هذا أصل وجود اليهود في الجزيرة العربية كانوا ينتظرون بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليتبعوه ولكنهم لما رأوه عين اليقين كفروا ولعلهم كانوا في أول الأمر يظنون أنه من بني إسرائيل هكذا قال بعض العلماء، ولكن لما تبين أنه من بني إسماعيل حسدوهم أي بني إسماعيل وكفروا ولكن لا يتبين لي هذا لأن الله (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَايَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرةـ ١٤٦)،فهم يعرفون أنه من العرب من بني إسماعيل لكن والعياذ بالله فرق بين علم اليقين وعين اليقين هم كانوا يظنون أنه إذا بعث يتبعونه بسهولة لكنهم حسدوه والعياذ بالله).والخلاصة: إنّ معرفة اليهود للنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانتظارهم لمولده صلى الله عليه وسلم، كانت استراتيجية عظيمة ألقت بمعتقدهم بعد نبوته عرض الحائط.وقد كان من الاستراتيجية لمولده الشريف أن يتوقف الشياطين عن استراق السمع من السماء:ذكر بعض المفسرين:(أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم بالمطر في يوم كذا وكذا، وكان حقا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط اللَّه الشهب عليهم، حتى يقذفون)(تفسير السمعاني 3/ 133)، (وَاخْتلف القَوْل فِي أَنهم مَتى يسْتَرقونَ السّمع؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، وَالْقَوْل الآخر: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي الْهَوَاء. وَأما معرفَة مَلَائِكَة السَّمَاء بِالْأَمرفباستخبارهم مَلَائِكَة أهل السَّمَاء الثَّانِيَة، هَكَذَا يستخبر أهل كل سَمَاء من أهل السَّمَاءالَّتِي فَوْقهم، حَتَّى يصلوا إِلَى حَملَة الْعَرْش فيخبرون بِمَا قَضَاهُ الله تَعَالَى من الْأَمر، وَيرجع الْخَبَر من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يصل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ الشَّيَاطِين يسْتَرقونَ على مَا قُلْنَا من قبل) (الحجة في القراءات السبع، ص: 301) ، وأنّ الشياطين كانت تسرق السمع من السماء فتلقيه إلى أوليائها من الإنس قبل مولد محمد (عليه الصلاة والسلام) فتبديه، فلما ولد (صلى الله عليه وسلم) رجموا بالنجوم، فامتنعوا من الاستماع، وهذا من أدلّ دليل على صحة نبوته (صلى الله عليه وسلم).* محمود عدلي الشريف [email protected]