أيها القراء الكرام.. إننا نستقبل هذه الأيام ذكرى مباركة طيبة ، يفيح عبيرها على الكون كله كما انتشر نورها من قبل، ما أن تأتي إلا وتذكرنا بالنور المحمدي الخالد الذي أنار الدنا منذ إشراقه وإلا أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنها ذكرى المولد النبوي الشريف، وأنعم بها من ذكرى، فهي تشعرنا بالنعمة التي أنعم الله تعالى بها علينا بهذا النبي الكريم، ذلكم النبي الذي اختتم الله به الرسالات وهل يكون أي ختام في أي شيء إلا كان أفضل شيء فيه، فما بالكم بختام عقد الأنبياء الذي نظمته الإرادة الإلهية عبر الزمان، حتى اكتمل العقد بيتيمة الزمان ونورانية كل الأركان وجوهرة بني الإنسان إنه محمد بن عبد الله (عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم)، ولما كان الختام هو الأفضل وهو الأكرم فقد كان له استراتيجية خاصة نظمتها العناية الإلهية من خلق آدم وإلى أن تقوم الساعة، وحتى تكتمل تلك النورانية في العقد المنظوم من الأنبياء والمرسلين كان الترتيب الإلهي معجزًا ومبهرًا لكل قلب وعقل وحي، فإذا أراد الله تعالى أمرًا هيأ له الأسباب التي تجعله في غاية الأهمية فضلًا عن أن وقوعه لابد منه، ولو تأملنا أحوال الدنيا وسكانها قبل المولد النبوي الشريف لتبينت لنا تلك الاستراتيجية واضحة جلية.

(فمولد محمَّد - صلى الله عليه وسلم - حدث ما زال يهز الدنيا، هو بشرى للقلوب وفرحة للأرواح، وبداية الإنقاذ لهذه البشرية من تيه الرمضاء المهلكة، وتحويل تلك الجموع العطشى وردها إلى النبع الذي أضاعته وفرطت فيه، ذلك النبع هو تلك العقيدة المتكاملة التي جاء بها حنفية سمحاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهي التي تركها - صلى الله عليه وسلم - صافية بيضاء، قد جلت تلك الغيوم الأسطورية والتي مهما اتسعت لم تستطع أن تحجب شمس الحقيقة الإسلامية) (السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة 1/‏ 25) بتصرف بسيط في النص.
نعم أنه مولد محمد (صلى الله عليه وسلم) محمد ذلك النور البشري، إنه (رجل ليس في مواليد حَواءَ أعظمُ منه قَدْرًا وأخلَدُ ذِكرًا وأبعدُ أثرًا، رجل أطل من غياهبِ الجاهليةِ، فأطَلَّتْ معه دنيًا أظلها بلِواءٍ مَجيد، كَتب عليه بأحرُفٍ من نور: لا إلهَ إلا الله، الله أكبر)، (هو محمدٌ الذي وُلد في مكة لعشرِ ليالٍ مَضَت من أبريلَ سنة 570 للميلاد، وكانت عائلتُه أشرفَ عائلةٍ في قريش، وهي إحدى القبائل الشهيرة في بلادِ العرب، وصاحبُ النسب المرتقي إلى إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الخليل، وقد كان جَدُّه متوليًّا سَدَانةَ الكعبة، وكانت دارَ حكومتهم، ومَعبَدَ ديانةِ العرب الوثنية، وتُوفِّي والدُه عبد الله قبلَ ولادته، وتُوفِّيت أُمُّه وهو ابنُ سِتَّةِ أشهرُ، وكان على أعظمِ يكونُ من كريم الطباع، وشريفِ الأخلاق، ومنتهى الحياء، وشدَّةِ الإحساس، وكان على خُلقٍ عظيم، وشِيَم مَرضيَّة، شَفُوقًا على الأطفال، مطبوعًا على الإحسان، غيرَ مُتمشدِقٍ في نفسه، ولا صَلِفٍ في معاملته مع الناس، وكان حائزًا قوةَ إدراكٍ عجيبة، وذكاءً مُفرِطًا، وعواطفَ رقيقةً شريفة، وهو رسولُ الله القادرِ على كلِّ شيء، بل إنه نبي جليلُ القَدْر، ومهما تحدثنا عنه، فليس بالكثير في حقه، لأنه جاء إلى العالَم بدينٍ جَمَع فيه كل ما يَصلُحُ للحياة) (وا محمداه إن شانئك هو الأبتر 4/‏ 284).
وقد كان من الاستراتيجية لمولده الشريف أن يتهيأ له نسب من أشراف الناس على مر العصور من آبائه وأمهاته: يقول صاحب كتاب (حياة محمد ورسالته، ص: 53): (العرب جميعًا يسلّمون بأن عدنان، الذي يرجع إليه نسب الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على نحو لا يأتيه الريب من بين يديه ولا من خلفه، كان أيضًا من أولاد إسماعيل في الجيل الأربعين من سلالته. ولم يكن ثمة في أيما يوم من الأيام خلاف على تحدّر النبي محمد من عدنان مباشرة. وفي الجيل التاسع من سلالة عدنان يبرز النّضر بن كنانة، مؤسس البيت القرشي. وبعد اسم آخر في شجرة النسب يجيء في المقام التاسع قصيّ الذي أسندت إليه سدانة لكعبة، وهي من أعظم المناصب شرفًا في بلاد العرب، وكان قصيّ جدّ عبد المطّب، وعبد المطلب جدّ الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن هنا نرى أن أسرة النبي تحتلّ من حيث نبالة المحتد المقام الأعلى بين الأسر، وكانت أمّ عبد المطّلب من بني النجّار، فهم أخوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنجب عبد المطّلب عشرة أولاد، أبرزهم أبو لهب الذي كان زعيم المعارضة الأكبر ضد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ومنهم أبو طالب الذي كفله ونشّأه، ومنهم حمزة الذي كان من أوائل الناس إسلاما والذي استشهد في وقعة أحد، وكان منهم العباس الذي كان شديد الحب للرسول برغم بقائه فترة طويلة خارج الدولة الإسلامية، ومنهم عبد الله والد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان عبد الله زوجًا لآمنة بنت وهب ابن عبد مناف من بني زهرة، والتي تجتمع مع زوجها عبد الله في الجد الرابع، والواقع أن الزوجين احتلا في قومهما مقامًا عليًّا لا بسبب من كرم محتدهما فحسب، بل بسبب شيء آخر كان أرجح في ميزان القيمة في عصر الظلمة والفساد ذلك، فلقد كانت لكل منهما نفس طاهرة نفس محمد ـ صلى الله عليه وسلم)، وفي هذا دلالة لكل ذي لب أن هناك ترتيب إلهي في هذا الاختيار.
وقد كان من الاستراتيجية لمولده الشريف أن تبشر بقدومه الكتب السابقة: لقد أخبرنا القرآن الكريم أن كل نبي ورسول كان يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وأن الله تعالى قد أخذ عليهم العهد إن خرج في زمن واحد منهم تبعه وناصره، حتى انتهى الأمر إلى عبدالله ورسوله عيسى (عليه السلام) الذي بشر بقدوم محمد صلى الله عليه وسلم، يقول صاحب (السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي، ص: 261):(تمتلئ كتب السيرة والتاريخ بالمبشرات الكونية والإنسانية، التي أشارت إلى قرب ظهور نبي في بلاد العرب، يُبعث للعالم كله؛ لنشر العدل، وتحقيق الأمن والسلام، وقد أتت أغلب هذه المبشرات من أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكهان العرب، وسوف أورد هنا شيئًا منها؛ لثبوتها بتصديق القرآن الكريم لها، ولأن ثبوت صدقها إثبات للإرهاصات العديدة التي صاحبت مولد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونشأته وحياته كلها، إن مبشرات أهل الكتاب من اليهود والنصارى هي مبشرات صحيحة لشهادة القرآن الكريم؛ حيث بيَّن الله تعالى بصورة قاطعة معرفة الأحبار والرهبان برسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحديد مواصفاته، ومكان ظهوره، وطبيعة رسالته العالمية). ويقول أيضًا:(جاء في تفسير الطبري أن أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فأخبر الله نبيه محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته بكتمانهم ذلك عن علم ومعرفة، وليس لهم ذلك) .. وللحديث بقية.


* محمود عدلي الشريف
[email protected]