على جميع الدول الاستماع للتحذيرات التي خرجت من البنك الدولي والتي أكدت أن رفع أسعار الفائدة من قِبل البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم قد يؤدي إلى ركود عالمي في عام 2023..

يعاني العالم أجمع، خصوصا الدول النامية والناشئة، من زيادة معدلات التضخم، وتشهد معظم دول المعمورة ارتفاعا في الأسعار بشكل بات يؤثر على ميزانية الأفراد والدول على حدٍّ سواء. ولمواجهة هذا التضخم المتغول، عمد البنك المركزي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة كحل معلب دائما ما يلجأ له الأميركان لجعل الائتمان أكثر تكلفة، ما يؤدي إلى ما يعرف بامتصاص السيولة من الأسواق التجارية، لينعكس الوضع سريعا على معدل الاستهلاك، ليخفف ذلك الضغط على الأسعار ويكبح التضخم بشكل كبير، إلا أن هذا القرار له تداعيات كبرى، فبرغم أنه ينجح في كبح تغول التضخم، إلا أنه على صعيد آخر يبطئ حركة الاستثمار أيضا بفعل ارتفاع تكلفة الائتمان، ما يقلل من حركة رأس المال التجارية، التي تنعكس على القوة الشرائية مليا وعالميا بالسلب، لنجد أنفسنا أمام حل كارثي، فبدلا من تأثر ميزانيات الأسر من التضخم، تفقد مئات الآلاف من الأسر الوظائف، ما يعني فقدان الميزانية بشكل كامل جرَّاء الركود الناتج عن امتصاص السيولة، الذي نتج عن هذا الحل العبقري برفع معدلات الفائدة.
إن خطورة القرار الأميركي برفع معدلات الفائدة، والذي يجبر العديد من الدول المرتبطة اقتصاديا بواشنطن إلى رفع معدلات الفائدة خشية هروب الاستثمارات المالية منها نتيجة الفائدة المنخفضة، ورغم إدراك تلك الدول بأضرار رفع الفائدة على الاستثمار داخل أسواقها من جهة، وعلى أموال خدمات ديونها التي سترتفع مع قرار رفع الفائدة تلقائيا، وهو قرار له ما له من الأضرار الاقتصادية، فيجب أن يعي المختصون أن قرارا كان يجدي على المستوى القصير والمتوسط سابقا في أزمة طارئة ما، لن يكون بنفس ذات التأثير الإيجابي في خضم ما شهده العالم من أزمات متلاحقة، فالعالم ودوله لم يفيقوا من تداعيات أزمة انخفاض أسعار النفط وما تلاها من ركود جائحة كورونا، مرورا بالأزمات الناتجة عن الحرب الأوكرانية الروسية، وتأثر أسعار السلع الأساسية؛ نتيجة تأثر سلاسل الإمداد والتوريد، فكل تلك الأزمات ضاعفت أضرار تلك القرارات، وأظهرت عوراتها.
فقرار رفع الفائدة في الماضي في خضم أزمة طارئة ما، كانت الحركة التجارية والنمو الاقتصادي عالميا وداخل الدول قادرا على استيعابها، وبذلك تكون فوائدها المباشرة أكبر من أضرارها، لكن الآن ونحن كبشر نواجه كل تلك المخاطر، فكل المؤشرات تؤكد أن مثل هذه القرارات تدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود مركب جديد، وهو ما يسميه الخبراء بظاهرة (الركود التضخمي)، الناتج عن بطء عجلة النمو الاقتصادي بضغط من رفع تكلفة الاقتراض، ليكون لذلك تأثيرا سلبيا على الاستثمارات. باختصار، فزيادة معدل الفائدة في الوقت الراهن قد يفقد الكثير من الناس وظائفهم، نتيجة فقد العديد من الشركات لاستثماراتها. وعلى صعيد الدول فكثير من الدول الناشئة والنامية مهددة بزيادة أعباء الدين الداخلي نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي، وكذلك تحجيم التوسعات الصناعية والاستثمارية، نتيجة تأجيل خطط ومشاريع البنية الأساسية التي ستنتج من ذلك.
على جميع الدول الاستماع للتحذيرات التي خرجت من البنك الدولي والتي أكدت أن رفع أسعار الفائدة من قِبل البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم قد يؤدي إلى ركود عالمي في عام 2023، حيث أشار إلى أن البنوك المركزية قد رفعت أسعار الفائدة “بدرجة من التزامن لم نشهدها خلال العقود الخمسة الماضية” لمواجهة ارتفاع الأسعار، مؤكدا أن الاقتصاد العالمي يمر بأشد فترة تباطؤ منذ عام 1970، ليؤكد هذا التحذير المخاوف السابقة، ويؤكد أن سلاح رفع معدلات الفائدة بات ضرره أكثر من نفعه في تلك الأوقات الحرجة، حيث إننا باتخاذنا هذا القرار نصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار.


إبراهيم بدوي
[email protected]