الروح والإرادة الكفاحية المتواصلة والمتأصلة لدى أبناء فلسطين، والصمود الأخير في قطاع غزة، ومدينتي جنين ونابلس، وريفهما، تتطور كل يوم ويرتفع منسوبها بالرغم من ازدياد أعداد المعتقلين والأسرى، والارتفاع الكبير في عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين..العمل الكفاحي الفلسطيني، وبأشكاله وأنماطه المُتعددة، لم يتوقف لحظة واحدة، على الطريق الطويل المُعبَّد بالتضحيات الكبرى والجسام. لكن مساراته، لا تعتمل على خطٍّ مستقيم، بل على شكل خطٍّ بياني يتحرك هبوطًا مؤقتًا، وصعودًا، ولو كان أحيانًا صعودًا بشكلٍ بطيء نحو الأعلى، وهذا ما نستدل عليه من المُعطيات المتوافرة على الأرض، ووفق ظروف ومتطلبات كل مرحلةٍ، وكما قيل “أهل مكة أدرى بشعابها”.لذلك، ووفقًا للشرعية الدولية، التي تؤيد كفاح الشعوب المستضعفة والواقعة تحت نير الاحتلال، تكمن أهمية كبيرة، لتفعيل الكفاح السلمي الديمقراطي، وبالوسائل المتوافرة، في وجه الاحتلال وتجسيداته على الأرض، وعصابات المستوطنين المسلحين، ومجموعاتهم التي تعيث فسادًا في مناطق مختلفة من الضفة الغربية والقدس، وقد وصلت أعداد هؤلاء المستوطنين نحو 600 ألف مستوطن، يُمثِّلون أعتى مجموعات التطرف والإرهاب في دولة الاحتلال الإسرائيلي. ورفع وتيرة فعاليات المقاومة الشعبية على الأرض ضد الاستيطان الاستعماري والحواجز العسكرية والتصدي لمحاولات إقامة البؤر الاستيطانية من قبل المستعمرين على أراضي المواطنين ومشاركة الجميع في هذه الفعاليات.وخلال الأشهر الماضية، الأولى من العام 2022، كان صعود العمل الكفاحي الفلسطيني بأشكاله وأنماطه المختلفة مُتميزًا، فقد شهدت تلك الأشهر: النضال السياسي والدبلوماسي في الحلبة الدولية، والعمل الجماهيري في مواجهة الاحتلال، واستخدام سلاح الحجارة والمظاهرات خصوصًا في منطقة القدس، والاشتباك مع جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين بالأيدي ومن النقطة صفر، واستخدام السلاح الأبيض من سكاكين وغيرها، والتصدي لاعتداءات حواجز جيش الاحتلال، وصولًا للعمل المقاوم بشكله الفدائي المسلح حين تتوفر الإمكانية، وهو ما تبدَّى في صمود قطاع غزة، والمواطنين المقدسيين، وجنين ونابلس والخليل... ماذا يعني كل ذلك..؟إن صعودًا هائلًا في الروح المعنوية، والإرادة الكفاحية، وتراكمًا للطاقات والقدرات، تتعزز كل يوم عند عموم أبناء فلسطين في الداخل، ودول الشتات (دول الطوق تحديدًا)، بالرغم من الأوضاع الصعبة التي يعاني منها أبناء فلسطين في الداخل والشتات: اقتصاديًّا ومُعيشيًّا، وصعوبات التنقل، ومضايقات الاحتلال اليومية، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، واقتلاع الأشجار، وتجفيف مصادر رزق الناس. فضلًا عن استهداف فلسطينيي الداخل (في مناطق العام 1948)، وقد أعلن جهاز الأمن العام (الشاباك) و”الشرطة الإسرائيلية”، يوم 7/9/2022، عن اعتقال سبعة شبان من مدينة (عكا) في الداخل، على خلفية أحداث الهبَّة الشعبية التي اندلعت نصرة للقدس والأقصى والشيخ جراح وقطاع غزة، وتنديدًا باعتداءات المستوطنين على المواطنين العرب بحماية الشرطة، في أيار/مايو 2021. والشبَّان هم: راني فيران، ومحمد حماد، وأيمن زلفي، وهيثم عوض، وصالح مجيد، وقصي عباس، وأدهم بشير.إذًا، الروح والإرادة الكفاحية المتواصلة والمتأصلة لدى أبناء فلسطين، والصمود الأخير في قطاع غزة، ومدينتي جنين ونابلس، وريفهما، تتطور كل يوم ويرتفع منسوبها بالرغم من ازدياد أعداد المعتقلين والأسرى، والارتفاع الكبير في عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين، ومع هذا تعزَّزت روح المقاومة الفلسطينية وانتشرت.إن كل تلك الاعتمالات، وارتفاع حدَّة المقاومة الفلسطينية للاحتلال دفع معاهد ومراكز الدراسات “الإسرائيلية” لرصد وتحليل الأمور إياها، فرأى “تقرير إسرائيلي” صدر عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب يوم الأربعاء 7/9/2022، بأن نمط “الممارسات الإسرائيلية” الحالية ضد تصاعد العمليات الاشتباكية التي ينفذها فلسطينيون في الضفة الغربية، تُشكِّل أرضًا خصبة لتعاظم روح المقاومة الفلسطينية”. وأضاف التقرير الذي نقل مقاطع منه (موقع عرب 48) أن “إدارة إسرائيل للصراع وفق مفهوم قص العشب يوشك على استنفاد نفسه، وحتى أنه قد يؤدي إلى انفجار عنف واسع، يُشكِّل التحدِّي الاستراتيجي الحقيقي الماثل أمام إسرائيل”.وفي واقعة، نُشير إلى عملية إطلاق النار، ومحاولة إشعال حافلة تنقل جنودًا “إسرائيليين” في الشارع رقم 90 في الأغوار، يوم الأحد 4/9/2022، حيث لم تكن مفاجئة من حيث حدوثها وتوقيتها ومُنفِّذوها، ولا بسبب انعدام رد فعل من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية كما تزعم مصادر حكومة (يائير لبيد) وكبار قادة عسكر ورجال أمن الاحتلال. بل كانت تلك العملية شجرة وارفة في مسار الكفاح الفلسطيني الآخذ بالاتساع، وهي فصل آخر في روح المقاومة الفلسطينية الذي يتبلور كل يوم بأشكال وتكتيكات مُختلفة تناسب الواقع القائم في فلسطين وعموم الإقليم الذي يعيش حالة عربية “لا تَسرُّ صديقًا، بل تفرح العدو”.إن استمرار مقاومة الشعب العربي الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي، وبكل الأشكال والأنماط الممكنة، ووجود نحو نصف الشعب الفلسطيني ونيف، على أرض وطنه التاريخي (سبعة ملايين ونيف، من أصل أربعة عشر مليون) دفع الكثير من ساسة دولة الاحتلال للحديث عن اقتراب “إسرائيل” من “المعضلة الاستراتيجية”. لذلك بات بعضهم من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين، يدعو لـ”الحل السياسي وإعادة استئناف العملية التفاوضية، باتجاه الانفصال عن الفلسطينيين، حتى لو كانت محدودة في ظل غياب إمكانية التوصل إلى تسوية دائمة في المستقبل المنظور”. بينما دعا آخرون (وهم أقل عددًا) للقيام بعملية عسكرية واسعة، على غرار حملة “السور الواقي” لاجتياح الضفة الغربية، من أجل ما أسموه “تحطيم البنية التحتية للإرهاب الآخذ بالتطور”.علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]