رسالة إلى كل من استسلم للمخاوف وكان فريسة لها، فانكسر وانهزم حتى أعاقت تلك المخاوف حياته، ثق أن الخوف ما هو إلا وهْمٌ يصارعك، فاهزمه، ثق أن المخاوف ما هي إلا وساوس شيطان رجيم أصرَّ أن يقعد بين أيدينا وأرجلنا لينغص حياتنا..ها أنا اليوم أقف لأودعك يا أبي وعبارات التعازي تهز قلبي ومسمعي، وأدرك أن كلمات التعازي ما هي إلا أجراس تقرع لبدء صفحات جديدة من حياتي، صفحات بها سطور الحزن والخوف والألم وتحمل مسؤوليات.قبرتك يا أبي وقبرت معك الإحساس بالأمان وراحة البال، حين أختلي بنفسي، تعصف بعقلي الأفكار لتعصر قلبي الكسير، فأغرق في الأفكار وأجد نفسي أحمل هموما لم تكن تشغل لي بالي عندما كنت أنعم في كنفك، وبدأت أشعر بالخوف!!! ذلك الشعور الذي لم أعرفه قط في وجودك، فقد كنت تتولى جميع أموري. بدأت أشعر بالخوف من الآتي، حتى بات هذا الشعور يلازمني، فأصبحنا أنا والخوف أصحابا.نعم يا أبي أصبحنا أنا والخوف أصحابا، فأنا اليوم أخاف الموت. فقبل وداعك كنت أشعر بمسافات طويلة تبعد بيني وبين الموت، لكنني اليوم أشعر أنه يحوم حولي؛ فمشهد طقوس وداعك بتفاصيله لا يغادر مخيلتي، أخاف الموت لأنني أخاف أن تعيش أُمِّي ثانية تجربة آلام الشعور بفقد العزيز، ويا لها من آلام تعصر القلب وتكسره. الخوف من القبر ووحشته وما يخفيه من المجهول من عذاب وعقاب يسيطر على وجداني.أصبحنا أنا والخوف أصحابا، فالخوف من المرض يلازمني، أخاف مشوار العلاج بما فيه من شقاء وآلام، وبذل للوقت والجهد والمال، فما زلت أذكر آلام تجربة علاجك التي لم تدم طويلا لتنتهي نهاية غير متوقعة، تمرُّ الليالي عليَّ ثقيلة حين ترخي سدولها فتقهرني الوساوس حتى تؤرقني، فليلة أقضيها في صعوبة في التنفس، وليلة أقضيها في الشعور بآلام في الصدر، وليالٍ يسيطر عليَّ الشعور بآلام في الجنب، فإذا ما انقشع الليل وحلَّ محلَّه نور النهار انجلت معه آلام جسدي، وهموم قلبي، فلليل وحشة في غيابك، وفي النهار انكسار وحيرة.أصبحنا أنا والخوف أصحابا، فأخاف اليوم فقد الأحبة، أخاف فقد أُمِّي وعمِّي الذي يقوم بدورك حين غيابك، وصديقي المقرب، وأخاف فقد كل من أحب، شعور يعصف بوجداني، حتى أصبحت أتجنب حُبَّ من حولي وأبتعد عنهم، ولا أتعلق بهم، حتى لا أعاني من آلام فقدهم، حتى عمِّي الذي كان يحفُّني بحنانه وعطفه، يحار في سبب بُعدي عنه، فكلما اقترب مني ضربت بيني وبينه المسافات. حتى اقتربت للعزلة وابتعدت عن الناس، ولم يعد لي صاحب إلا الخوف أجالسه وأسامره.أصبحنا أنا والخوف أصحابا، فأخاف العوز والحاجة والفقر، فقبل وداعك كانت يدك الحنونة تمتد لي بمصروفي الشهري، ولا أذكر حينها إن كنت أسمعك كلمة شكرا أو أظهر لك تقديري لك أم لا؟! كنت أجد جميع احتياجاتي متوافرة في بيتنا الدافئ، لم أسأل نفسي قط كيف توافرت؟! كل ما يهمني أنها موجودة في الوقت الذي أحتاجها. أما اليوم فأنا في حيرة كيف أحصل على معاشك التقاعدي، كيف أوفر احتياجات منزلنا، وكيف أوفر مصروفي الشهري.ربَّاه إليك أشكو عواصف الخوف التي تهزمني، لكن حان الوقت لأنازلها، وألا أرمي أمام هذه المخاوف سلاحي مستسلما، فإيماني بك يا رب أهزم خوفي، وبثقتي بأنك الكريم العادل سأستعيد قوتي، أشكو وأرجو في سجودي، حين تلتصق بجهتي بسجادتي، وأكون أقرب ما أكون منك ربي، فثقتي برحمتك، وبقدرتك وبكل صفاتك العليا تجعلني أهزم مخاوف سيطرت على جوارحي حتى كادت تشل حياتي.نعم سأهزمك أيتها المخاوف، سأجهد جسدي بلعب الرياضة، وكثرة الحركة فإذا ما آويت لفراشي غلبني النوم لأسلم من هجمات تلك المخاوف.. نعم سأهزمك أيتها المخاوف بمخالطة أحبَّتي، ولا أكون فردا وحيدا لتنفردي بي وتهاجميني بقسوتك، سأنام مع أخي الصغير في غرفته وسأجعله يأوي في حضني، فأنا أعلم أنك تهزمين من يقصي عن الناس والمجتمع، سأهزمك أيتها المخاوف بمساعدة الناس وخدمة أفراد مجتمعي، ومساندة المرضى والفقراء والضعفاء، فأنا على يقين بأنك لن تنالي من قلب امرئ يقضي وقته في قضاء حوائج الناس.أبي أعدك أن أنجو من تلك الصحبة السيئة، صحبة المخاوف بأنواعها الخوف من الموت والمرض والفقر ومن المستقبل، بقوة إيماني بالله أنجو، وبإيماني بالقدر خيره وشره سأنجو، فما أحداث القدر إلا بمشيئة الله وبحكمته وإرادته، سأهزم المخاوف بعزيمتي وإرادتي فما المخاوف إلا وهم شرس يفتك بقلبي، ويضعف همَّتي، ويثنيني عن السير في مشوار العطاء.رسالة إلى كل من استسلم للمخاوف وكان فريسة لها، فانكسر وانهزم حتى أعاقت تلك المخاوف حياته، ثق أن الخوف ما هو إلا وهْمٌ يصارعك، فاهزمه، ثق أن المخاوف ما هي إلا وساوس شيطان رجيم أصرَّ أن يقعد بين أيدينا وأرجلنا لينغص حياتنا ويضعف ومفعول إيماننا على تصرفاتنا، فاهزمه، وثق أنك أنت الوحيد الذي ستصارع المخاوف لتهزمها، فلا تنتظر العون من أحد ولا تستصرخ، بل استبسل وواجه وقاوم... ودُمْت سالما.نجوى عبداللطيف جناحيكاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري[email protected]Najwa.janahi@