إن الصراع من أجل بناء نظام عالمي جديد مشوار طويل، مليء بالعثرات والمطبات، ولن ينجز سريعًا أو حتى قريبًا، فمخاض ولادة النظام الدولي الجديد سيكون عسيرًا، وقد يمتدُّ لمرحلة تاريخية وليس لشهورٍ أو بضع سنوات.

رحيل آخر رئيس للاتحاد السوفييتي السابق يسدل الستار على حقبة زمنية شهدت أحداثًا مهمَّة تركت تأثيرًا لا يزال مُستمرًّا، ليس في روسيا وحدها، بل العالم أجمع. فقد قام ميخائيل جورباتشوف بتصفية تركة الحرب الباردة، وإنهاء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وكان بذلك المسؤول الأول عن إلغاء القطبية الثنائية، التي ظلت تتحكم في العالم منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها نهاية آب/أغسطس 1945. وكل ذلك دون أن تقدم الولايات المتحدة الأميركية شيئًا لروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي.
إن التحوُّلات الدولية التي حدثت بعد نهاية الحرب الباردة بين الحفين (الناتو ووارسو) أدَّت إلى بروز الولايات المتحدة الأميركية قوَّة مهيمنة على مفاصل النظام الدولي فترة تسعينيات القرن الماضي، ولكن هذا الوضع ما كان ليستمر دون ممانعة وامتعاض من باقي القوى الدولية، فما كان عقد التسعينيات ينتهي، حتى بدأت ظواهر هذا التحوُّل تنجلي من خلال سعي روسيا والصين الشعبية لإعادة التوازن للنظام الدولي بعد العام 2000.
إذًا، ومع رحيل آخر رئيس للاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف، نستطيع القول بأن روسيا استطاعت أن تتجاوز الصدمة التي نتجت عن تفكك الاتحاد، وبروز القطبية الأحادية، لصالح الاصطفاف في موقعها كقوة مؤثرة في الخريطة الدولية، وبالتالي تحقيق حالة من القطبية المُتعددة، التي بدأت تطل بنفسها، وتفرض وقائعها على الأرض بانحسار اليد الأميركية الطولى في تقرير مصائر الشعوب والدول.
وفي حقيقة الأمر، وجدت روسيا نفسها وهي المكوِّن الأكبر في الاتحاد السوفييتي السابق، وجدت نفسها بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، أمام تحدٍّ كبير جدًّا، فمن ناحية، تريد استعادة مكانتها في العالم كدولة كبرى بكل ما للكلمة معنى. وأدركت من أجل ذلك أن عليها امتلاك القدرة التنافسية مع العالم الغربي، وهذا يتطلب تنمية قطاعاتها الاقتصادية وتطويرها إلى مستوى مثيلاتها الغربية. وإذا أضفنا إلى هذا الأمر دور الجانب العسكري في السياسة الدولية وأكلافه المادية والبشرية، في ظل توسيع الطرف الآخر من المعادلة الدولية، لحلف “الناتو” باتجاه حدودها، وهو ما نراه الآن بالفعل بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وانضمام عدد من دول حلف وارسو السابق إلى حلف “الناتو”.
المعطيات والوقائع الملموسة تقول، إن القيادة الروسية تسعى لبناء نظامٍ عالميٍّ جديد. فأيُّ نظامٍ عالمي تريد موسكو..؟ وهل تريد مشاركة الولايات المتحدة الأميركية والقوى العظمى في قيادة العالم، وتقاسم النفوذ والمنافع..؟ أم أنها تريد عالمًا آخر يحتكم إلى قوَّة الحقِّ والعدل والأخلاق..؟ والأمر الأخير مُستبعد جدًّا في السياسات الدولية عند القوى الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية...؟
إن الصراع من أجل بناء نظام عالمي جديد مشوار طويل، مليء بالعثرات والمطبات، ولن ينجز سريعًا أو حتى قريبًا، فمخاض ولادة النظام الدولي الجديد سيكون عسيرًا، وقد يمتدُّ لمرحلة تاريخية وليس لشهورٍ أو بضع سنوات. وللنجاح في هذه المهمَّة الصعبة، تحتاج روسيا إلى حلفاء يشتركون معها بالرؤية، لذلك نستطيع أن ندرك مدى علاقاتها مع جمهورية الصين الشعبية التي تشاطرها الرأي نفسه، إضافة لمجموعة من الدول الكبرى في منظمة شنغهاي ذات البُعد الأمني، ومجموعة (البريكس) الاقتصادية (روسيا + الصين الشعبية + البرازيل + الهند + جنوب إفريقيا).
ثم إن الحديث عن نظام دولي مُتعدد الأقطاب لوجود قوى وتكتلات اقتصادية لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن موقعها القيادي في الحفاظ على توازن القوى العالمي بسهولة، وهو ما يفسر اتفاق “أوكوس” الأمني بين واشنطن وأستراليا وبريطانيا لمناهضة الهيمنة الإقليمية للصين الشعبية في منطقة الـ”أندو باسيفيك”، كما يُفسر تحالفها مع اليابان وسنغافورة والهند وكوريا الجنوبية لمقاومة الصعود الصيني في آسيا، وهو ما ينطبق بطبيعة الحال على وجود الـ”ناتو” في دول شرق أوروبا ودعم أوكرانيا في مواجهة روسيا من دون التدخل عسكريًّا، بما يعني استنزاف طاقات روسيا اقتصاديًّا وعسكريًّا وفرض عقوبات دولية عليها، لتعطيل الصعود الروسي الذي قد يخل بتوازن القوى في أوروبا من الوجهة الأميركية. لذلك تعمل واشنطن أيضًا، وبشكلٍ دؤوب على تعكير العلاقات بين موسكو ودول الاتحاد الأوروبي، ولنا أن نستشهد بما نشرته صحيفة (إزفيستيا) الروسية مؤخرًا، حول الأسباب الحقيقية التي تجعل الاتحاد الأوروبي يعزل نفسه عن روسيا. وجاء في المقال: “لم تستطع دول الاتحاد الأوروبي الاتفاق على حظر كامل لإصدار تأشيرات للروس، لكنها قررت إنهاء العمل باتفاقية تسهيل إصدار التأشيرات مع روسيا. وستخلق هذه الخطوة مشاكل للروس الأثرياء الذين لديهم عقارات وتصاريح إقامة في الاتحاد الأوروبي.. بالإضافة إلى أن عدم وجود رحلات جوية مباشرة بين روسيا والاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات، سيخلق صعوبات للتواصل العلمي والثقافي وريادة الأعمال، وكل ذلك نتيجة التأثير أو الضغط الأميركي على دول الاتحاد الأوربي”. ومع هذا، وبالرغم من سطوة الولايات المتحدة الأميركية وبحدودٍ كبيرة نسبيًّا في النظام الدولي القائم الآن رغم التحوُّلات الجارية ونهوض روسيا والصين الشعبية، ‏إلا أن مؤشرات التراجع بدت واضحة على السطوة الأميركية، وهذا الأمر يدفع ‏بجمهورية روسيا الاتحادية لتطوير سياساتها الخارجية، وتحركها على المستوى الدولي مع حلفائها لتحقيق التوازن والتعددية في النظام ‏الدولي المنشود، تلك التعددية التي تمنع التسلط والتفرد الأميركي بالقرار الأممي، في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات والهيئات الدولية. وعليه، إلى أي مدى يستطيع الجانبان الروسي والصيني وحلفاؤهما من مجموعة (بريكس) وغيرها من الدول المؤثرة إيجاد توازن للقوى والمصالح لمواجهة الهيمنة الأميركية على العلاقات الدولية..؟ الفترات القادمة، حبلى بالتطورات على هذا الصعيد...


علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]