غاليتي .. بدأت اليوم أقلق على صغيرتنا، فهي في حالة فزع دوما من ثورات غضبك حتى باتت تلجأ لحنان وعطف الخادمة، هي تحتمي بها خوفا منك، نظرات الاستغاثة في عينيها تعلق في ذاكرتي طوال اليوم.. غاليتي مرَّت سنوات منذ أن أغلق باب عشنا الدافئ علينا لنكون أنا وأنت أسرة واحدة، لنسكن معا تحت سقف واحد، وينشأ بيننا ميثاق غليظ، به نبني أسرة ونصنع أجواء دافئة ينشأ فيها صغارنا، فأسعد بأبوتي، وتسعدين بأمومتك، ونشقى معا شقاء مستحبا لنسعد أطفالنا، كم جمعتنا أحلام وطموحات وآمال لنبني مستقبلنا ونهيئ حياة سعيدة لأبنائنا. غاليتي منذ أن أصبحنا نعيش في بيت واحد ونحن نبحث عن السعادة ونبتعد عن كل ما ينغص حياتنا فراحة البال مطلب لكل إنسان، والهدوء والسكينة غاية كل فرد، نعم غاليتي كنت في يوم ما سكني وفي قربك سكينتي، فأنت مرساتي أُلقي على شاطئك همومي.لكنني اليوم أبحث عن شاطئك فلا أجد مكانا أرسي فيه سفينتي، فزوابعك تعصف بسفينتي، وموجات غضبك العارمة تكسر قلبي، فبعد أن كنت أُلقي بهمومي على شاطئك، فسفني تحمل الهموم كلما اقتربت منك، حتى بدأت أبحث عنك وظننت أني أضعت مرساتك، أعاصيرك التي لا تنتهي بسبب نوبات الغضب التي تنتابك أسدلت الستار على قصة سعادتنا.غاليتي .. لا يكاد يمرُّ يوم إلا وأرجاء البيت تعج بصراخك، وما أن تنتهي أعاصيرك حتى تعودي معتذرة مبررة غضبك بكثرة الضغوط عليك وثقل المسؤوليات الملقاة على أكتافك، كل الأمور في عينيك مصيبة مهما صغرت، وكل المواقف حولك تثير غضبك، وكل حدث يستفز مشاعرك فيعلو صوتك ويندلع بركان غضبك، وما هي إلا لحظات لتعودي لي معتذرة وفي يدك وردة تحمل معاني الاعتذار والتبرير لتصرفاتك، حتى سئمت الاعتذار وكرهت الورد؛ لأنه يعني لي نهاية زوبعة تعصف بالبيت وبداية أخرى.سأعترف أنني أنا السبب في تصرفك هذا، فأنا اليوم أقف نادما على ما فعلت، فأنا من شجعك على هذا السلوك، ففي كل مرَّة تغضبين كنت أمتص غضبك، أدللك، وأستعذب استرضاءك، وأسعد بلحظات الصلح، فما أعذب الصلح بعد الخصام، فتتوالى نوبات غضبك وكأنك تنتظرين لحظات الاسترضاء، فكم كانت تمرُّ علينا أيام طويلة من الخصام فأنهيها بالصلح، وكم كنت أسعد بهذا الصلح فأمضي ساعات في البحث عن هدية تسعدك، أو أخطط لسفرة قصيرة نسترجع فيها أيام شهر العسل الجميلة، أو سهرة في مطعم نهمس معا بكلمات الشوق للصلح بعد الخصام.لكنك أدمنت الخصام، وبالغتِ في ثورات غضبك منتظرة لحظات الصلح، وفقدت قدرتك على ضبط أعصابك، حتى أصبحت أيام الغضب والخصام أطول من أيام الصلح، وباتت حياتنا في جحيم بدلا من النعيم، نعم أدرك أن الحال قد تغير، فأصبحتِ أنتِ من يهدي ورود الصلح، لتعود المياه إلى مجاريها، لكنني يا غاليتي كرهتُ الورد واشتقتُ لراحة البال والسعادة، كرهتُ الصلح، واشتقتُ للسكون، فقدت الطمأنينة والاستقرار.. فغضبك المستمر وعتابك الذي لا ينتهي قد أمات الحُب في قلبي.كم تحاورنا علَّني أعرف سبب ثورات غضبك، وكم عللت ثورات غضبك بكثرة المسؤوليات والأعباء، وكم انهلتِ عليَّ بسيلٍ من الاتهامات لعدم تعاوني معك في تحمُّل مسؤوليات أُسرتنا، وعدم تقديري للجهود الجبارة التي تبذلينها في إدارة شؤون أسرتنا، والويل لي كل الويل إذا أمضيتِ الليل تمرضين صغيرتنا، فأنا أعلم أنني سأواجه إعصارا من السخط والثورة والغضب لعدم مشاركتي لك في تمريض ابنتنا، حتى يئست من استرضائك. كم حاولت مشاركتك في الواجبات المنزلية وتخفيف الأعباء عليك، وكم أعطيتك وقتا للراحة والاستجمام، فأتيح لك الفرصة للخروج مع صديقاتك، والوقت الكافي للنوم والترفيه، وتعاقدت مع خادمة لتساعدك في تحمُّل أعباء المنزل، ولكن بلا جدوى، فما زال سخطك من تحمُّل المسؤولية يزداد يوما بعد يوم.غاليتي .. بدأت اليوم أقلق على صغيرتنا، فهي في حالة فزع دوما من ثورات غضبك حتى باتت تلجأ لحنان وعطف الخادمة، هي تحتمي بها خوفا منك، نظرات الاستغاثة في عينيها تعلق في ذاكرتي طوال اليوم، فيتقطع قلبي حسرةً وألمًا، هي ترتمي في حضني بحثا عن العطف والأمان الذي تفتقده، هي ابنتي وواجبي أن أحميها وأوفر لها حياة هادئة، سأترك لكِ أحد الخيارين: فإما تلجئين للعزلة عندما تشعرين بالغضب، وسأوصد باب الغرفة لتختلي بنفسك وتهدأ ثورات الغضب في قلبك، فلن أقبل أن تنثري حمم براكينك في جميع أرجاء البيت، وإما أن تزوري الطبيب علَّه يصف لك عقارا وأدوية تعينك على ضبط نوبات غضبك، فالغضب داء دواؤه صعب عسير. نجوى عبداللطيف جناحيكاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري[email protected]Najwa.janahi@