إن الحدث الروسي الأوكراني، وزيارة نانسي بيلوسي لتايوان، كانا مؤخرًا بمثابة انقداح لشرارات إضافية في الصراع بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن من جهة ثانية في الصراع على النفوذ في القارة الإفريقية.

إفريقيا، القارة السوداء، وفق المصطلح المتداول عند البعض، تبقى القارة الواعدة، بكل ما للكلمة معنى. من ناحية ثرواتها الباطنية وغير الباطنية، ومن جهة إمكانية تطويرها بقفزاتٍ نوعية لتكون موقعًا جغرافيًّا استثماريًّا، اقتصاديًّا وسط العالم. وغالبًا ما كان اهتمام الولايات المتحدة بإفريقيا لا يطغى على أولوياتها، لكن واشنطن تعمل وتأمل الآن في الوقت الراهن وإلى الأمد المنظور في تغيير سياساتها الإفريقية باتجاه رفع منسوب الاهتمام، لمواجهة بكين وموسكو في تنلك القارة حيث بدت بكين وكأنها تتغلغل في كل عروق القارة الإفريقية. أما بالنسبة لروسيا، فهي “ترى أن المنطقة تُمثِّل بيئة مستباحة للشركات شبه الحكومية والعسكرية الخاصة، وغالبًا ما تخلق حالة من عدم الاستقرار لكسب مزايا استراتيجية ومالية، وفق ما تقوله واشنطن.
أهمية القارة الإفريقية تتبدى الآن بجهود واشنطن، التي لم تقف عند حدودٍ معينة، ومعها أشكال الاستعمار القديم من الفرنسي والإنجليزي والبرتغالي والإسباني والإيطالي... ومحاولة الفوز بالبقاء ولو على بقعة ضيقة من المساحة في الجغرافيا الإفريقية. في الوقت الذي تتهم فيه واشنطن كلًّا من بكين وموسكو بأنهما يتصرفان بالموضوع الإفريقي وكأن تلك القارة “ساحة لتحدي النظام الدولي القائم على قواعد ولتعزيز مصالحها التجارية والجيوسياسية الخالصة، ولإضعاف علاقات الولايات المتحدة مع الشعوب والحكومات الإفريقية”. لذلك دعت الولايات المتحدة الأميركية لعقد قمة أميركية ـ إفريقية في 13 كانون الأول/ ديسمبر القادم 2022 في واشنطن.
إذًا، الصراع الآن يُلمس مباشرة بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن على الضفة الثانية، للفوز والاستحواذ بالغنيمة الإفريقية، عبر العلاقات السياسية والاقتصادية، والاستثمارية، والوجود المادي على الأرض بشكلٍ عام. وقد كشفت الولايات المتحدة، يوم 7/8/2022 عن إعادة صياغة شاملة لسياستها في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تعتزم مواجهة الوجود الروسي والصيني، وتطوير أساليب غير عسكرية ضد ما أسمته “الإرهاب”. حيث تقول وتدعي واشنطن أن التركيز على محاربة الجماعات المتطرفة في إفريقيا عسكريًّا، لم يحصد نتائج كبيرة خصوصًا جماعات (بوكو حرام) في نيجيريا. وأن الولايات المتحدة ستستخدم “قدراتها الأحادية”، أي العسكرية، ضد أهداف إرهابية “فقط عندما يكون ذلك قانونيًّا وحيث يكون التهديد أكثر حدَّة وفق الوثيقة الأميركية المنشورة، أو التي جرى تسريب مقاطع واسعة منها”.
وتتزامن هذه الاستراتيجية الجديدة التي تجري عملية صياغتها من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ضمن وثيقة، لتأخذ في الاعتبار الأهمية السكانية المُتزايدة لإفريقيا، وثِقَلها في الأمم المتحدة والسرة الدولية عمومًا. بالإضافة إلى مواردها الطبيعية الهائلة وفرصها، من جنوب إفريقيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى رواندا ونيجيريا...إلخ.
وفي إطار السعي لكسب النفوذ تسعى واشنطن لتكثيف النشاط الدبلوماسي الأميركي في القارة الإفريقية. فيما يعمل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على تكريس دور موسكو في تلك القارة باعتبارها “كشريك أساسي لموسكو”، مع تأكيد “دور روسيا التاريخي في دعم حركات التحرر الوطني في دول القارة”، مع الحديث عن “خطط ومشروعات تعتزم موسكو تنفيذها لدفع جهود التنمية في القارة”. إن الحدث الروسي الأوكراني، وزيارة نانسي بيلوسي لتايوان، كانا مؤخرًا بمثابة انقداح لشرارات إضافية في الصراع بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن من جهة ثانية في الصراع على النفوذ في القارة الإفريقية.
إن واشنطن تعتقد، في وثيقة توجيهية جديدة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية مؤخرًا بدايات آب/أغسطس 2022، أن “للولايات المتحدة مصلحة كبيرة في ضمان إبقاء المنطقة مفتوحة ومتاحة للجميع، وأن الحكومات والشعوب يمكنها بنفسها اتخاذ خياراتها السياسية”. وأضافت الوثيقة حرفيًّا، بعد نشر مقاطع منها عبر وسائل الإعلام الأميركية، أن “مجتمعات مفتوحة تميل عمومًا إلى العمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وجذب المزيد من التبادلات التجارية والاستثمارات الأميركية، ومواجهة الأنشطة الضارة لجمهورية الصين الشعبية وروسيا وباقي الجهات الأجنبية”.
فــ”استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إفريقيا جنوب الصحراء”، فترسم وتخطط وفق أربعة أهداف تمتد لخمس سنوات وفق الوثيقة الأميركية المشار إليها، وهي: دعم المجتمعات المفتوحة، وتقديم مكاسب ديمقراطية وأمنية، والعمل على الانتعاش بعد الجائحة (كورونا ومتحوراته)، وإتاحة الفرص الاقتصادية، ودعم الحفاظ على المناخ والتكيف معه والتحول المنصف للطاقة. أخيرًا، إن أوجه الصراع على القارة الإفريقية تتبدى أيضًا بمحاولات فرض النفوذ العسكري عبر مجموعة من القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في عدة دول إفريقية أبرزها جيبوتي، التي تضم وحدها (9) قواعد عسكرية، أو عبر التسليح، وهو مصدر قوة روسيا في القارة، أو عبر تعزيز النفوذ الاقتصادي والذي تتفوق فيه الصين، فالصين الشعبية ومنذ عشر سنوات أصبحت صاحبة أعلى معدل تبادل تجاري مع القارة الإفريقية، والذي بلغ 190 مليار دولار عام 2020، إضافة إلى تغلغل الصين في تنفيذ المشروعات الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية في مختلف دول القارة.

علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]