بطبيعة الحال اللقاحات لن تقضي على الوباء بمفردها، فهي حاجة إلى أن تستكمل بتدابير وقائية أخرى مثل الكمامات، وتحسين التهوية، والاختبارات السريعة. لذلك فالاعتقاد بأن الفيروسات تتطور حتما إلى نسخ أكثر اعتدالا قد يكون غير صحيح..


ها نحن ذا مرة أخرى، وهجوم جديد من سلالات كورونا (كوفيد-١٩) المتحورة والمستمرة والذي أطلق عليه (بي أي -٥)، وهو متحور جديد من (أوميكرون). والواضح أن هذا المتحور الجديد ينتشر بسرعة، على الأرجح لأنه يتخطى بعض الدفاعات المناعية التي اكتسبها الأشخاص الذين تم تطعيمهم، أو أولئك المصابون بسلالات سابقة. وربما أن أولئك الذين تمكنوا من تجنب الفيروس لما يقرب من ثلاث سنوات سيجدون صعوبة أكبر قليلا في الاستمرار في هذا الخط، فلا ينبغي أن يتفاجأ الناس إذا أصيبوا، ولا ينبغي أن يتفاجأوا إذا كان الأمر سيصبح مزعجا لبعض الوقت!
ما يهمنا للآن أنه لا تزال اللقاحات تبعد الكثير من الناس عن المستشفيات ووحدات العناية المركزة، ولعل المتحور الجديد ليس خطرا بشكل مروع، ولكن لا يمكننا تجاهله أيضا. فلا تزال العدوى (والإصابة بها مرة أخرى) واردة، وهذا بلا شك يعمل على توسيع وتعميق العبء المستمر للوباء. ولعلي أعتقد هنا أننا ـ وكما لاحظنا سابقا خلال مراحل الجائحة ـ لن نمنع جميع حالات انتقال العدوى، بل علينا تقليل الانتشار.
من ناحية أخرى يجب أن نعي أنه عندما يتم تطعيم الأشخاص أو الإصابة بالفيروس، فإن أجسامنا تطور أجساما مضادة يمكنها تحييد الفيروس عن طريق الالتصاق ببروتيناته الشائكة ـ الدعامات الموجودة على سطحه والتي ـ إن استطعت القول ـ يستخدمها العامل الممرض للتعرف على خلايانا وإصابتها. ولكن للأسف لدى هذه السلالات ك(بي أي -٥)، العديد من الطفرات التي تغير شكل النتوءات، والتي مثل السيوف التي لم تعد مناسبة لأغمادها، فلا يمكن التعرف عليها الآن من قبل العديد من الأجسام المضادة التي كانت ستؤدي إلى نزع سلاح المتحورات القديمة! وهذا يعني ربما أن معظم الناس الآن أقل حماية من العدوى مما كانوا عليه قبل شهرين، بل إن بعض الأشخاص الذين أصيبوا بكورونا مؤخرا قد يصابوا مرة أخرى الآن.
ومع ذلك لا تزال الوقاية من العدوى مهمة، ولا تزال اللقاحات وسيلة حاسمة للقيام بذلك. بطبيعة الحال اللقاحات لن تقضي على الوباء بمفردها، فهي حاجة إلى أن تستكمل بتدابير وقائية أخرى مثل الكمامات، وتحسين التهوية، والاختبارات السريعة. لذلك فالاعتقاد بأن الفيروسات تتطور حتما إلى نسخ أكثر اعتدالا قد يكون غير صحيح، لعلها تكون في العقود المستقبلية ولكنها ليست مضمونة بأي حال من الأحوال. بل يمكن أن تتطور سلالات كورونا إلى أشكال أكثر حدة، على الرغم من أنه لا يزال من المتوقع أن تخفف اللقاحات من لدغتها.
لذلك وعند هذه النقطة، هل من المحتمل أن يكون الفيروس الآن مقيدا بجهاز المناعة البشري في سباق تسلح تطوري دائم؟ ما أعنيه هنا بعد هذا الصراع البشري الفيروسي، ظهور متحور يتحايل على مناعتنا الحالية، ثم تعيد اللقاحات والالتهابات بناء دفاعاتنا تدريجيا... وهكذا حتى يظهر متحور آخر. ألست معي هنا أن هذا بالضبط ما يحدث للإنفلونزا، لكن يبدو أن فيروس كورونا يتغير بسرعة أكبر، وبالتالي يضعف مناعتنا مع الوقت. ومن هنا البشرية وبشكل ما ـ إن استطعت القول ـ تنتظر ذلك اللقاح الشامل لسلالات كورونا فيكون المنقذ!
ختاما، تعتمد رهانات هذه اللعبة حقيقة على سؤال بسيط للغاية وهو: هل ما زلنا نهتم بمنع العدوى؟ والأهم من ذلك إدراكنا بأن فكرة التعايش مع كورونا ربما ستستمر، وتستمر معها ـ لعبة القط والفأر المستمرة التي يمكننا أن نلعبها بجدية أو نخسرها بشكل متكرر ـ.

د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي
[email protected]