محمود عدلي الشريف:
إخوة التوحيد والإيمان: أسأل الله تعالى أن يجعلنا في هذه الأيام المباركة أيام شهر رجبمن أهل طاعته وأن يكتب لنا منها أكبر الحظ والنصيب،اللهم يا مولانا إنانسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار يا أرحم الراحمين.. آمين.
وبعد.. فلا تزال فضائل هذا الشهر الحرام ـ شهر رجب ـ تتوالى في ورقتنا هذه مما يحملنا على ألا ننس نصيبنا منه، كما أذكر نفسي وإياك أخي الكريم ألّا تنس نصيبك من رجب، ولِمَ لا؟! وهو شهر نزلت فيه آيات كريمة تتحدث عنه وعن بعض الأحداث التي وقعت فيه، وله خصوصيات مثله كمثل إخوانه الثلاثة الباقية من الأشهر الحرم المعروفة،وقدعيَّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)في خطبته الأخيرة في حِجّة الوداع في الحديثُ الوارد في الصّحيحَيْن بأنّها (ثلاثة سَرْد ـ متتالية ـ وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم،وواحد منفرد وهو رجب)،(الأربعة التي حُرِّم فيها القتال فجعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين) (الحوادث والبدع، ص: 135)، و(من عظم هذا الشهر أيضًا أنهكانت فيه انتصارات كثيرة،فقد كانت فيه الْهِجْرَةُ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (تفسير البغوي - طيبة 3/ 86)،وفيه كانت رحلة الإسراء والمعراج عند من قال أنها كانت في شهر رجب، وعن ابن عباس قال:(لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة -وصرفت في رَجَب، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينةَ) (تفسير الطبري، ت: شاكر 3/ 132)،وفيه أيضًا كانت غزوة تبوكفي رجب سنة تسع،وفي (تاريخ الرسل والملوك) للطبري3/ 435):(وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي رَجَبٍ)، (ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة) (تفسير القرطبي 7/ 381)،كما (أن فيه كانت هزيمة الجيوش الصليبية التي ضعضعتها ضربات صلاح الدين، وسقوط المملكة اللاتينية، باسترداد صلاح الدين لبيت المقدس في رجب سنة 583 هـ، أكتوبر سنة 1187 م) (دولة الإسلام في الأندلس (4/ 170).. إلى غير ذلك من الأحداث الجليلة المباركة التي وقعت في هذا الشهر المبارك رجب الأصم.
فجدير بناـ إخوة الإيمان ـ أن نتذكر هذه الأحداث ونأخذ منها العظة والعبرة، وهنا سؤال يطرح نفسه قائلًا: لماذا سُمّي شهر رجب بهذا الاسم؟ يقول صاحب كتاب (الحوادث والبدع، ص: 135): (إنما سُمّي رجب بذلك لأنهم كانوا يرجبونه أي: يعظمونه، يقال: رجَّبْته ورجَبْته بالتشديد والتخفيف أي: عظمته)،ويقولالطبري في(جامع البيان، ت: شاكر 4/ 300): (لأن العرب كانت لا تقرعُ فيه الأسنَّة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يَهيجه تعظيمًا له، وتسميه مضر"الأصمَّ" لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه"، وقيل: "الأصبّ" لانصباب الرّحمة فيه، وقيل: "منصل الأسِنّة"،كما ذكره البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبُد الحجرَ، فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثْوةً من تراب ثم جئنا الشّاءَ ـ الشِّياه ـ فحلبْنا عليه ثم طُفنا به، فإذا دَخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنّة، فلم نَدع رُمحًا فيه حَديدة، ولا سهمًا فيه حَديدة إلا نزعناه فألقيناه،وذلك لتأمين الزائرينللمَسجد الحرام من القادمين والطائفين، وقد تميز هذا الشهر بهذه الخاصية لعدم حتى لا يُظُّلم فيه أحد ناهيك عن عَدَمُ القِتال، ومن هنا نأخذ أن من عدم الظُّلم أيضًا عدم مَعصية اللهفبمعصيته تعالى نظلم أنفسنا، ومن خصوصياته أيضًا بلللأشهر الحرم الأربعة بما فيها شهر رجب أن ينُدِب فيها الصّيام، فقد جاء في (سنن أبي داود 2/ 323):(عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ، عَنْ أَبِيهَا، أَوْ عَمِّهَا، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَعْرِفُنِي، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ، الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ، قَالَ: فَمَا غَيَّرَكَ، وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟، قَالَ: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلَّا بِلَيْلٍ مُنْذُ فَارَقْتُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ، ثُمَّ قَالَ: صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قَالَ: زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: صُمْ يَوْمَيْنِ، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ: بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا)، وجاء في (شعب الإيمان، برقم3463)، كرره تأكيدًا لطلبه وتنبيهاً على شرفه، ولأنه يشق عليه صوم كلها، وقال: أي: (أشار بأصابعه الثلاث فضمها ثم أرسلها أي: صم ثلاثًا منها ثم اترك، وهكذا وذلك لأن في ضم الثالث من القوة ما يجبر الضعف الحاصل من صوم اليومين، لأن المرء إذا اعتاد عمل بر ألفته النفس، وارتفعت مشقته، ولذا أشار إلى الإِفطار بعدها، لئلا يصير الصوم معتاداً له فلا يجد كلفة بخلاف ما إذا أفطر ثم عاد له فيكون فيه عليه مشقة، فينمو ثوابه) (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7/ 57)، قال ابن حجر: إن شهر رَجب لم يرِد حديث خاصٌّ بفضل الصِّيام فيه، لا صحيح ولا حسن،بل ذكر أحاديث تتضمّن النَّهيَ عن صوم رجب كلِّه، ثم قال: هذا النّهي مُنصرِف إلى من يصومُه مُعَظِّمًا لأمر الجاهليّة، أما إنْ صامه لقصد الصوم في الجملة من غير أن يجعله حتْمًا أو يخُصُّ منه أيّامًا معيّنة يواظِب على صومِها، أو لياليَ معيَّنةً يواظِب على قيامِها، بحيث يَظُنُّ أنها سُنَّة، فهذا من فعله مع السّلامة ممّا استثنى فلا بأسَ به. فإن خصّ ذلك أو جعله حتمًا فهذا محظور، وهو في المنع بمعنى قولِه (صلى الله عليه وسلم):(لا تخصُّوا يومَ الجُمعة بصِيام ولا ليلتَها بقِيام)(رواه مسلم)، وإن من صامَه معتقِدًا أنّ صيامه أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره ففي هذا نظر، ومال ابن حجر إلى المَنع، قال ابن دحية:(الصِّيام عَمَلُ بِرٍّ، لا لفضل صوم شهر رجب)(مسند الفاروق، ت: إمام 1/ 435).
فالعمل الصالح في شهر رجب كالأشهر الحُرم له ثوابُه العظيم، ومنه الصّيام في تلك الأيام المباركة، ففي (صحيح مسلم 2/ 821): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ)وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ:(سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ فَقَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ) (المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم3/ 234)، وعلى الرغم من هذه الأحاديث المستحسنة للصيام في الأيام ذات الفضل كالأشهر الحرم ومنها رجب إلا أن هناك من يمنعها، وكان منهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ فلماذا؟ هذا ما سيكون حديثنا في المرة القادمة.. ولا تنس نصيبك من رجب.
*[email protected]