محمود عدلي الشريف:
إخوة الإيمان .. بعد غد تستقبل البشرية عامًا ميلاديًا جديدًا، يأتي كأي عام يقبل بعد عام ينصرم، فإذا انتهى عام يوم أربعاء مثلا بدأ العام الذي يليه يوم الخميس وهكذا، فليس هناك انقطاع في الوقت ولا في الزمن، فهي في حقيقة الأمر أيام تعقب أيامًا متصلة نظمها الله تعالى بالليل والنهار، فاليوم يلي اليوم والعام يلي العام، وما الحساب إلا لتنظيم الحياة وشؤونها، وهي في الأول والأخير أيام الله ما على الإنسان فيها إلا أن يراجع نفسه سائلها: ماذا قدم في عامه المنصرم؟ وماذا سيقدم في أيامه المقبلة؟ ففي كتاب (الزهد والرقائق) لابن المبارك، و(الزهد) لنعيم بن حماد (1/ 102): (أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(الْمُؤْمِنُ عَبْدٌ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ، مِنْ ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ فِيهِ، وَمِنْ عُمْرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَاذَا يُصِيبُ فِيهِ مِنَ الْهَلَكَاتِ).

وما دعاني لأن أكتب في هذا الأمر ما تردد من إشاعات وتنبؤات حول العام المقبل، وانتشار بعض اٌلأقاويل عنه بين الخير والشر، وبين النفع والضر، والسبب في ذلك ـ أيها القراء الكرام ـ يرجع إلى انتشار متحور الفيروس الناتج عن كورونا (كوفيد ـ 19) والذي انتشر في ربوع العالم، مما جعل بعض الناس اليوم بين مضطرب وخائف، وقلق ومتوتر، وهذا في رأيي المتواضع ما جعل بعض الناس يتطلع لما هو آت بشغف وترقب، متأملا وابلا من المبشرات، راجيا أن يروي عطش توتره بقطرات الطمأنينة تشرح صدره وتهدئ من روعه، وهذه فرصة سانحة للمنجمين والمشعوذين لكي ينشروا تنبؤاتهم وأكاذيبهم، ويقولون للناس ما يظنون أنه سيحدث في المستقبل، مدعين أنها حق وأنهم على حق، وتناسوا أنها أيام الله عز وجل يفعل فيها ما يشاء، وأقول لهم: كذبتم، كيف تسول لكم أنفسكم أن تدعوا علم مالم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، فلا يعلم الغيب إلا الله، وللأسف قد يستمع البعض للذين يتنبؤون وينجمون ويكذبون على الله في غيبه، والعجيب في الأمر أن هناك من ينشر تنبؤاتهم وظنونهم وأكاذيبهم، وأقول لمثل هذا الذي ينشر بين الناس ما يخوفهم ويفزعهم ويدعي أنه نشر حقًّا، أقول له ما قاله الله تعالى:(أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًۭا) (مريم ـ ٧٨).

وتأمل معي ـ هداك الله ـ هذا الحديث الذي جاء نصه في كتاب (سنن الدارمي 1/ 732):(عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ). إخواني: إن ما يقدم من أيام طال أم قصر هو بيد الله وحده ولا سواه، فما سيدت في الكون هو بيده ـ جلَّ جلاله ـ وحده، فيامن تصدق من يتنبأ بالغيب، وقد انقطع الوحي بموت رسولنا الكريم محمد (عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم)، راجع نفسك واقرأ معي هذه الرواية التي وردت في كتاب (عمل اليوم والليلة) لابن السني (ص ـ 55):(أَخْبَرَنَا مُعَانٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا رَجُلٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ دَارَكَ فَقَدِ احْتَرَقَتْ. فَقَالَ: مَا احْتَرَقَتْ دَارِي. فَذَهَبَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ دَارَكَ فَقَدِ احْتَرَقَتْ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا احْتَرَقَتْ دَارِي. فَقِيلَ لَهُ: احْتَرَقَتْ دَارُكَ، وَتَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا احْتَرَقَتْ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، لَمْ يُصِبْهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا أَهْلِهِ وَلَا مَالِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ "، وَقَدْ قُلْتُهَا الْيَوْمَ. ثُمَّ قَالَ: انْهَضُوا بِنَا. فَقَامَ وَقَامُوا مَعَهُ، فَانْتَهَوْا إِلَى دَارِهِ، وَقَدِ احْتَرَقَ مَا حَوْلَهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ). سبحان الله!، فلماذا نتشاءم من غيب لم يحدث؟، وما الذي يضمن أن ما توقعه أولئك المنجمون أنه صادق؟ لماذا لا نشك في أقوالهم ـ بل ينبغي أن نكذبهم، ثم لماذا نستاء من أيام لم تأت أصلًا؟ وقد قيل:(كذب المنجمون ولو صدقوا) والأحرى من هذا ما الذي يضمن لنا أن نعيش إلى تلك الأيام التي كرهناها قبل أن تأتي لمجرد أن إنسانا مثلنا ليس بنبي مرسل ولا موحى إليه بوحي منزل يخبرنا بما سولت له نفسه، ثم نكره تلك الأيام التي أخبرنا ذلك المنجم أنها ستكون أياما صعبة ، ثم نتشاءم منها ونحن لا نضمن أن نعيش للحظة قادمة بعد هذه اللحظة، بل وربما سبها البعض ـ والعياذ بالله ـ وقد جاء ردًّا على من يسب الدهر في (صحيح مسلم 4/ 1762):(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا(/ ومعنى (يؤذيني ابن آدم) أي: يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم، وقوله:(أنا الدهر): قال العلماء هو مجاز وسببه أن العرب كان من شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا ألفاظ سب الدهر فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى ومعنى، (فإن الله هو الدهر): أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات) (المرجع السابق 4/ 1762)، وفي (الأسماء والصفات) للبيهقي 1/ 378):(فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: تَأْوِيلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا تَذُمُّ الدَّهْرَ وَتَسُبُّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَلَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ إِنَّمَا يُهْلِكُنَا الدَّهْرُ وَهُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، فَيَجْعَلُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ اللَّذَانِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُفْنِينا وَيَفْعَلُ بِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ عَلَى أَنَّهُ يُفْنِيكُمْ وَالَّذِي يَفْعَلُ بِكُمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا تَسُبُّونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ).

ومن هنا يتبين لنا أن هذا من أفعال الجاهلية، ويا للعجب! جاهلية في العصر الحديث، يا للعجب جاهلية في الإسلام! حقًّا إن اللذين يصدقون المنجمين والمشعوذين لخاسرون.

فيا أيها الناس: هذا العام المقبل هو عام من أيام الله ليس له دخل بما يحدث فيه لا من قريب ولا من بعيد.. وللحديث بقية.

[email protected]*