محمود عدلي الشريف:أيها الإخوة وأيتها الأخوات: إن بعض النفوس تركن إلى الكسل، وتخلد إلى الخمول، وتتباطأ عن الركب وترجع القهقري عمن يسير معها،وقد تغفل عن ذلك ولا يلفت انتباهها،والعجيب أنه قد يعجب بما هو فيه تراهزاهيًا بنفسه مقتنعا بها، فخورًا بعجزه متباه بكسله.وقد يلحظ البعض ذلك بعد فوات أوانه،ولم يدرك ذلك في حينه، وحينها لا ينفعه ألمه وأنينه، فقد فاته الركب وعظم الخطب ومر الزمن،وقد يلحظ بعضهم ذلك ويرجع ما حل به إلى أعذار متناقضة ومبررات واهية، كأن يقول: إن هذا قدري ونصيبي، أو يقنع نفسه بما يدمغه الواقع ويذهب به كأن يقول: أني قمت بما هو منوط بي وما في مقدوري واما في استطاعتي وماذا عساي أن أفعل بعد؟، ولكنه في الحقيقة لم يقم بما هو واجب عليه على أكمل وجه، ولو كانت هذه حجة لطاشت أمام أقرانه الذين وصلوا إلى أعلى قمة مما يمكن أن يصلوا إليه على اختلاف مجالاتهم.جاء في (تفسير جامع البيان للطبري ـ ت: شاكر 9/ 100):(نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين هاجر، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها، والمعني: قال الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم(كنا مستضعفين في الأرض)، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله، واتباع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معذرةٌ ضعيفةٌ وحُجَّة واهية(قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحِّدوا الله فيها وتعبدوه،وتتبعوا نبيَّه؟).ولهذا فطن المسلمون قبل فوات الأوان فـ(عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) (النساء ـ 97) قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ـ يقَالَ له جُنْدُب ابن حمزة الليثي ثُمّ الجندعي وَهُوَ مَرِيضٌ وكان شيخًا كبيرًا: وَاللَّهِ مَالِي مِنْ عُذْرٍ إِنِّي لَدَلِيلٌ بِالطَّرِيقِ، وَإِنِّي لَمُوسِرٍ، فَاحْمِلُونِي. فحمله بنوه عَلَى سريره متوجهًا إلى المدينة فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فمات بالتنعيم وهو بِالطَّرِيقِ، فبلغ أصحاب النَّبِيّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ موته، فقالوا: لو لحق بنا لأتم اللَّه أجره فأراد اللَّهعَزَّ وَجَلّ أن يعلمهم أَنَّهُ لا يخيب من التمس رضاه،فَنَزَلَتْ فِيهِ:(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)(النساء ـ 100)(المرجع السابق7/ 394).ولهذا أهيب بكل من يراوده الشك أو يوسوسه الخمول أو يسيطر على جوارحه أو بعضها الكسل أن لا يتكاسل ـ بادئًا بنفسيـ وأن لا نرجع الكسل إلى أعذار ومبرراتنعلقه على حبالها، ولنقم سويًّا بما يقطع الشك باليقين، ولتهب عواصف همتنا ورياح قوتنالتقتل الكسل أو تهوي بهفي مكان سحيق،ولنستبدله بالهمة والنشاط،فالأجل مكتوب والوقت محسوب ـ رضينا أم أبيناـ يستقطع من أعمارنا، وبمروره وانقضائه هباء وبلا فائدة، يستحوذ علينا الندم ويوقعنا في شراكه الشعور بالحسرة، ولم التسليم لهذا الخذلان والانهزام إذا؟ لا والله.. فلنشمّر سواعد الجد فليس لنا من حل إلاه، وإلا ضاع العمر سدى،عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 3/ 123).فعلى كل واحد منا أن يستعيذ بالله تعالى من الكسل كما استعاذ منه رسولنا الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم ـ ففي (صحيح البخاري 7/ 76):(عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَبِي طَلْحَةَ: "التَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي" فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ..الحديث).ولقد استعاذ الرسول الكريم من الكسل لأنه يهدم بنيان العمل والعمر معا لأن(الكسل ضعف النية وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما أستعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة)(شرح صحيح البخاري لابن بطال 5/ 36)، وقال التوربشتي:(هو التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النَّفس للخير مع ظهور الاستطاعة)(قوت المغتذي على جامع الترمذي 2/ 835).و(الكسلهو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه،ولِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ ثِقَلِ الْبَدَنِ وَامْتِلَائِهِ وَاسْتِرْخَائِهِ وَمَيْلِهِ إِلَى الْكَسَلِ وَإِضَافَتُهُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَاتِ)(شرح النووي على مسلم 18/ 122) بتصرف، ويقول ابن حجر:(وأصل الكسل ترك العمل لعدم الإرادة فإن كان لعدم القدرة فهو العجز، والفرق بين العجز والكسل أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله والعجز عدم القدرة، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة والتسويف بالتوبة والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والقسوة في القلب لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة كما قال تعالى فطال عليهم الامد فقست قلوبهم) (فتح الباري 1/ 179).وحتى لا أطيل عليكم ـ إخواني الكرام ـ علينا أن نقوم بأمور تنحل به عقد الكسل عقدة عقدة:أولًا: لابد علينا من التذكر الدائم لعذاب الله من التقصير في جنبه، وأول تقصير يبدأ بالكسل، فلنهزمه حتى لا يهزمنا، وثانيًا: علينا التدبر في أحوال العباد ونتأمل تقلبات أحوال الكسالى من الناس وتدهور حياتهم ـ نعوذ بالله من ذلك، وثالثًا:علينا أداء الصلاة بل والطمأنينة فيها، فإنه يهدئ الأعصاب وينشط أعضاء الجسم،ورابعًا: الخوف من ضياع العمر والحذر من موت الفجأة قبل التوبة، فإنّ أجل الله قريب، فماذا تقول يا كسول، وخامسًا: علينا استشعار روح الصحة والعافية والشباب الدائم والحيوية اليقظة التي لا تكل ولا تمل، ولتكن همتنا صخرة لا تنكسر وحديد لا يلين، وسادسًا: اليقين بأن العمل لا ولن يضر الجسم ولا يؤذيه، بل على العكس فإنه يقويه ويجعله أكثر تحملًا، ولماذا لا نعتبره نوعًا من الرياضة؟، وسابعًا: علينا الاقتناع بأن هذا الجسد في النهاية سيأكله الدود، وأنه مهما طال العمر لابد من الموت، وأن هذا الجسد الذي من خلق من التراب لابد وأن يعود ترابا كما بدأ، فهلا استفدنا بطاقته وقوته؟، وثامنًا: علينا النظر إلى الهدف الأسمى من وجودنا وخلقنا وهو العبادة، فنحن ملك لله، خلقنا لآمرين عبادته وعمارة الأرض، ولو أن كل الناس صاروا كسالى من يعبد الله ومن يعمّر أرضه؟ نعم! علينا الشعور باليقين أن الله يملك جسدك، وأنت كلك ملكه فكيف يمتلك الله شيئا وهو لا يستجيب لأمر ولا يقوم بالعمل الذي كلفه به، فقد خلق الله هذا البنيان لهدف أسمى ومقصود أعلى ولهذا إذا قصر عن اختيار منه استحق العذاب.وأترككم لتتدبروا معي هذه الرواية (جامع معمر بن راشد 11/ 22)، قَالَ:(سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ لِأَبِي: وَجَدْتُ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُشْتَغَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عُيُوبَهُ، وينْصَحُونَهُ فِي نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ لِهَذِهِ السَّاعَاتِ، واسْتِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ، وَفَضْلٌ وَبُلْغَةٌ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: تَزوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بزَمَانِهِ، مُمْسِكًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَانِهِ) .. وصلوا على البشير النذير.[email protected]