محمود عدلي الشريف:
أيها الأحباب: مرحبا بكم في مسيرتنا في رحاب مولد رسول الله ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ونحن في آخر محطة نتأمل معا الدلائل التي تجلت للناس عند مولد هذا النبي العظيم وقبله وبعده، والحقيقة عندما بحثت في هذا المجال وجدث شيئًا عجيبًا، لا يسعها هذا المقام، فقد (أراد سبحانه إظهار توحيده وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدًا (صلى الله عليه وسلم)خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال (صلى الله عليه وسلم)في كل جيل مشهورًا، وفي توراة موسى، وإنجيل عيسى مذكورًا، إلى أنأخرج الله تلك الدّرة بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فترة من الرسل، وهداه إلى أقوم السبل، فكان له (صلى الله عليه وسلم) من الآيات والدلالات على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصره)(الدرر السنية في الأجوبة النجدية 2/ 90).
فقد كانت عجائب ومعجزات وإرهاصات لم تكن لمثله ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ نعم كان لمولده منالأحداث الكونيةما لفت أنظار العالم كُلِّه، منها ما كان قبل مولده كحادثة الفيل ورؤيا أمه وجده وسماعهما هواتفا تحدثهم عنه، ومنها ما كان مصاحبًا لولادته ـ صلوات ربي وسلامه عليه، فـ(عن عُثمان بن أَبى العاص عن أُمِّه فاطمةَ بنت عبد الله أَنَّهَا شَهِدَتْ ولادةَ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لَيْلاً، قالت: فما شَيء أَنْظُرُ إِليه من البيت إِلاَّ نوّر، وإِنِّي لأَنْظُرُ إِلى النجوم تَدْنُو حتى إِنِّي لأَقُول لتقَعَنّ علىَّ)(أَخرجه ابن السَّكَن وابن سيد الناس) (الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق 5/ 65)،وقد (وَقَعَ لمولِدِه صلى الله عليه وسلم من الآياتِ الباهِرَة، والعلامات السَّاطِعة، ما فيه عِبْرَةً لمن اعتبر، وعِظَةً لمن اتَّعَظَ)وَسَاقَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي خَصَائِصِهِ، وَابْنُ هِشَامٍ فِي سِيرَتِهِ وغيرهم أَخْبَارًا عَدِيدَةً مِمَّا شَهِدَهُ الْعَالَمُ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، نُوجِزُ مِنْهَا الْآتِي: من ذلك ما ذكَرَهُ مخزوم بن هانئٍ عن أَبيه قال:(لَمَّا كانت الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـارْتَجَسَوانشق إِيوانُ كِسْرَى ليلة مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى سمع انشقاقه، وسقَطَتْ منه أَرْبَعَ عشرة شُرْفة، وهو باق إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدَتْ نارُ فارِس، ولم تُخْمُدْ قبل ذلك بأَلْفِ عامٍ، وغاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَة،وكانت بحيرة عظيمة في مملكة العراق، عراق العجم وهمدان، تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك، حتى بني مكان (ساوة) وباقية إلى اليوم، ورَأَى الموبَذَانُ إِبِلاً صِعَاباً تَقُودُ خَيْلاً عِرَاباً قد قطعت دَجْلَة وانتشَرَتْ في بلادِهم. فلا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ ذلك. ثم بَعثَ إِلى مَرازِبَتِهِ، فَلَمَّا اجتمعوا عنده قال: أَتَدْرُونَ فِيمَ بَعَثْتُ إِليكُم؟ قالوا: لا، إِلاَّ أَن يُخبر الملك، فبَينَمَا هُمْ كذلك إِذْ وَرَدَ عليهم كِتَابَ خُمُودِ النِّيرَان، فازداد غَمًّا إِلى غَمِّه، ثم أَخبرهم بما رأَى وما هَالَهُ فقال الموبَذَانِ: أَيّ شَيء يكُون هذا ياموبَذَان؟ قال: حَدَثٌ يكُون في ناحيةِ العرب)، وذكره الحافظ الخرائطيّ في كتاب (هَواتِف الجان)، وتمامه في البداية والنهاية،ومن ذلك أيضًا:(تَنْكِيسُ الأَصْنَام في آفاقِ الأَرض، ذَكَرَه ابْنُ كَثِيرٍ فقال: مِنْهَا انْكِفَاءَ الْأَصْنَامِ عَلَى وُجُوهِهَا، فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِرْهَاصٌ بِتَكْسِيرِ الْأَصْنَامِ وَانْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، وَدُخُولِ الْفُرْسِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ.لَا شَكَّ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَشْهَدْ حَدَثَيْنِ أَعْظَمَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ: مَوْلِدِ سَيِّدِ الْخَلْقِ، وَبَدْءِ إِنْزَالِ أَفْضَلِ الْكُتُبِ، فَكَانَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَحْتَفِي بِهِ، وَذَلِكَ بِصِيَامِهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنْ شُعُورِهِ فِيهِ، وَالْعِبَادَةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي يَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى بِهَا عَلَى هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ. وأرسلت منذ ولادته الشهب على الشياطين وكَثْرَة رَمْيهم ـ وهم الذين يَأْتُون الكَهَنة بأَخبار السَّماء ـ بالشُّهُب)، ومن ذلك كما في (الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق 5/ 67)مرجع سابق: ما قاله أَبو الحكم التنّوخي:(كان المولود إِذّا وُلِدَ في قُرَيْش دَفَعُوهُ إِلى نِسْوَةٍ منهم يكْفَأْنَ عليه بُرْمةً إِلى الصُّبْح. فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دفعه جده عبد المطلب إِلى نِسْوَةً فكَفَأْنَ عليه بُرْمَة، فلَمَّا أَصْبَحْنَ وَجَدْنَ البرمة قد انْفَلَقَتْ باثْنَتَيْن، وَوَجَدْنَهُ مفتوحَ العينَيْن شاخِصاً ببصَرِه إِلى السَّماءِ، فأَتَاهُنَّ عبد المطلب، فَقُلْنَ له: ما رَأَيْنَا مَوْلُوداً مثله، وَجَدْنَاهُ قد انفلقَتْ عنه البرمة، ووجَدْنَاهُ مفتوحة عَيْنَاه شاخِصاً ببصَرِه إِلى السَّماءِ. فقال: احفْظْنَهُ فإِني أَرْجُو أَن يكُونَ له شَأْنٌ أَوْ أَنْ يُصِيبَ خَيْراً)(أَخرجه البيهقي)، وجاء في (سيرة ابن اسحاق المسماة السير والمغازي، ص: 45):(فلما وضعته أمه، بعثت إلى عبد المطلب جاريتها فقالت: قد ولد لك الليلة غلام فانظر إليه، فلما جاءها، أخبرته خبره، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه، فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبدالمطلب يدعو الله، ويشكر الله الذي أعطاه إياه، فقال:(السعد لله الذي أعطاني .. هذا الغلام الطيب الأردان.. قد ساد في المهد على الغلمان.. أعيذه بالله ذي الأركان..حتى يكون بلغة الفتيان.. حتى أراه بالغ البنان.. أعيذه من كل ذي شنئان.. من حاسد مضطرب العنان).
ويقول صاحب كتاب (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 8/ 383):(فَيَوْمُ مَوْلِدِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَعَتْ مَظَاهِرُ كَوْنِيَّةٌ ابْتِدَاءً مِنْ وَاقِعَةِ أَبْرَهَةَ، وَإِهْلَاكِ جَيْشِهِ إِرْهَاصًا بِمَوْلِدِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ ظُهُورُ نَجْمٍ بَنِي الْخِتَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أيضا: أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ غُلَامٌ سَمِعَ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أُطْمَةٍ بِيَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، قَالُوا: وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟، قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ)، وذكر صاحب (صحيح السيرة النبوية، ص: 13) قوله:(فيما وقع من الآيات ليلة مولده ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما روى أبو نعيم ومحمد بن حيان عن أسامة بن زيد قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج قد خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه وذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات)، ومنها:(وَمَا تَعَرَّفَتْ بِهِ حَلِيمَة وَزَوْجُهَا ظِئْرَاهُ من بركته ودرور لبنيها لَهُ وَلَبَنِ شَارِفِهَا وَخِصْبِ غَنَمِهَا وَسُرْعَةِ شَبَابِهِ وَحُسْنِ نَشْأَتِهِ وَمَا جَرَى مِنَ الْعَجَائِبِ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ وَأنَّهُ كَانَ إذَا أَكَلَ مَعَ عَمّهِ أَبي طَالِبٍ وَآلِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ شَبِعُوا وَرَوُوا فَإِذَا غَابَ فَأَكَلُوا فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَشْبَعُوا وَكَانَ سَائِرُ وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ يُصْبِحُونَ شُعْثًا وَيُصْبحُ ـ صَلَّى الله عليه وسلم ـ صقلًا دهينًا كَحِيلًا قَالَتْ أُمّ أَيْمَنَ حَاضِنتُه: مَا رَأَيْتُهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ـ شكى جُوعًا وَلَا عطَشًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا، وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ من بُغْضِ الْأَصْنَامِ وَالْعِفّةِ عَنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا خَصَّهُ اللَّه بِهِ من ذَلِكَ وَحمَاهُ حَتَّى فِي ستره في الخير الْمَشْهُور عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَخَذَ إِزَارَهُ لِيَجْعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ليَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ وَتَعَرَّى فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَدَّ إِزَارَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ مَا بَالُكَ؟ فَقَالَ:(إِنِّي نُهِيتُ عَنِ التَّعَرِّي) وَمِنْ ذَلِكَ إِظْلَالُ اللَّه له بالغمامة في السفر) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ـ وحاشية الشمني 1/ 366).
وأنبته الله نباتًا حسنًا، وكان أفضل قومه مروة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، حتى سماه قومه الأمين، لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة، والخصال المرضية.ووصل أرض الشام، مرتين، فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر عمه أنه رسول الله، وأمر برده، فرده مع بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به، فلم نجد قدما أشبه من القدم الذي بالمقام من قدمه. وبغضت إليه الأوثان، ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك. حتى اصفاه الله للعالمين بشيرًا ونذيرًا.

[email protected]*