نجوى عبداللطيف جناحي:إن الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث أو التدمير هو همّ يشغل الكثير من المختصين في مجالات مختلفة، فالبعض يتخصص في مجال حماية المياه، سواء مياه الشرب أو معالجة المسطحات المائية، أو معالجة مياه الصرف، والبعض يهتم بموضوع الغطاء النباتي، سواء الغابات، أو الحقول، أو المزارع، أو معالجة موضوع التصحر، والبعض همُّه مشاكل تلوث الهواء، وآخرون مهتمون بمعالجة مشاكل التوازن البيولوجي بأنواعها، وغالبية من يشتغل بقضايا البيئة هم من المختصين في مجال العلوم بأنواعها، كعلوم الأحياء، والفيزياء، وغيرها من التخصصات العلمية. ولكن من الجميل أن تجد فئة بعيدة عن تخصص العلوم تهتم بقضايا البيئة وتركز عليها، إنهم الشباب المتطوعون بجهودهم ووقتهم وخبراتهم، في مجال العمل الإنساني الاجتماعي، فجميل أن تجد من يربط بين العمل الإنساني الاجتماعي، والعمل البيئي.وبحكم اهتمامي ومتابعتي للأنشطة التطوعية المتميزة في دول الخليج العربي، وشغفي بمتابعة الأفكار الجديدة في مجال العمل التطوعي، فقد استوقفتني مبادرة مميزة لأحد الفرق التطوعية بدولة الكويت الشقيقة، وهو فريق الأيادي الخضراء البيئي بقيادة الدكتورة سامية حمد السعيدان، والمستشار فؤاد الجمعة (أبو همام)، حيث ربطت تلك المبادرة بين مناسبة إنسانية ومناسبة بيئية، فالمناسبة الإنسانية هي احتفال العالم باليوم العالمي للوالدين والذي يوافق الأول من شهر يونيو والذي أقرته الأمم المتحدة اعترافا بدور الوالدين فهما ركنا الأسرة وأساسا مجتمعهما والمجتمع ككل. ويثمن اليوم العالمي للوالدين، الذي عيَّنته الجمعية العامة في عام 2012، الوالدين تثمينا عاليا لتفانيهما في التزامهما بأبنائهما والتضحيات التي يقدمانها مدى الحياة نحو تعزيز هذه العلاقة. كما تربط المبادرة بين مناسبة بيئية أخرى، فبعد خمسة أيام من تاريخ احتفال العالم باليوم العالمي للوالدين، أي في الخامس من شهر يونيو يحتفل العالم بيوم البيئة العالمي الذي عيَّنته الأمم المتحدة أيضا، مطلقة شعارا يركز على النظم البيئية، فبالحفاظ على النظم البيئية الصحية يمكننا تعزيز سبل عيش الناس ومواجهة تغير المناخ ووقف انهيار التنوع البيولوجي.وقد ربط الفريق التطوعي بين المناسبتين ربطا جميلا؛ إذ أطلق تلك المبادرة لتبدأ باليوم العالمي للوالدين ولتستمر إلى اليوم العالمي للبيئة. وتهدف المبادرة إلى تشجيع الناس ومساعدتهم على أن يغرسوا أشجارا كصدقة جارية لوالديهما في فترة الاحتفال بهاتين المناسبتين الدوليتين، وتقديم الدعاء والاستغفار للوالدين والشكر والتقدير والعرفان المستحق لهما ووجوب العمل والرحمة، والاعتراف بحسن صنيعيهما معنا، فإن زراعة الأشجار المثمرة منها، وأشجار الظل تُعد وقفا خيريا وصدقة جارية يصل أجرها للوالدين، فهي مبادرة إنسانية اجتماعية، وفي الوقت نفسه مبادرة خيرية، كما تُعد هذه المبادرة مبادرة بيئية، حيث يقومون بحماية البيئة المحيطة، وزيادة الرقعة الخضراء في بلادهم، في سبيل الحفاظ على النظام البيئي، فجميل أن تجد الأبناء يسارعون لغرس الأشجار المتنوعة في المناطق التي تحتاج لتشجير، فتلك الشجرة عليها اسم الوالد (فلان) وهذه النخلة عليها اسم الوالدة (فلانة)، وشجرة أخرى باسم العمة أو الخالة، وهذه الأشجار جميعا غرست لتكون وقفا خيريا من الأبناء لصالح النفع العام، ليصل أجرها للوالدين. وكم هو جميل أن تجد الناس يتسابقون لاختيار أماكن مميزة لغرس أشجار كوقف خيري لوالديهم في أماكن مميزة مطروقة من قبل الناس فيكثر الداعون لآبائهم، وتظل صدقة جارية برًّا بآبائهم وكل من يقرأ الاسم على هذه الأشجار التي يستظلون بها، أو يأكلون من ثمرها، يدعون لآبائهم فيستمر لهم الأجر والثواب سنوات وسنوات. وهكذا ترى أن مئات الأشجار تغرس خلال أسبوع واحد، مما يسهم في عملية إصلاح الغطاء النباتي، والحفاظ على التوازن البيئي.فلله دركم يا أعضاء فريق الأيادي الخضراء البيئي، فهي مبادرة إبداعية تجمع بين النشاط التطوعي الإنساني الاجتماعي، والخيري، والبيئي، فلم يحولوا الاحتفال باليوم العالمي للبيئة واليوم العالمي للوالدين إلى احتفال تتلى فيه الخطب والكلمات، ويتشدق فيها بعبارات نظرية ونصائح قد تنسى فور انتهاء الخطب، بل أطلقوا مبادرة تنموية مستدامة تترك أثرا في المجتمع لتكون نفعا لعامة الناس، وتقدم خدمة بيئية مهمة لبلدهم. والجميل في التجربة أن هذا الفريق لم يقتصر نشاطه على أرض الكويت، بل امتد للعديد من الدول العربية. فالفريق له سفراء في دول عربية مختلفة مثل السعودية، والإمارات، وعُمان والأردن، فيقوم السفراء بتنفيذ نفس المبادرة في دولهم، في نفس التوقيت وبنفس طريقة العمل، فلك أن تتخيل عدد الأشجار التي غرست في العالم العربي خلال أسبوع واحد بفضل مبادرة هذا الفريق الذكي، مثل هذه المبادرات نصبو لها، مثل هؤلاء الشباب نعتز بهم ونفخر بهم. فهم يبدعون في أفكارهم وفي أدائهم، وهنا أتمنى من جميع المهتمين بالعمل البيئي والاجتماعي أن يكرروا هذه المبادرة سنويا وهو وقف الأشجار، وكم أتمنى أن تزرع الأشجار في مكان واحد لتكون حقولا ومزارع، أو توزع في الأماكن السكنية ليستظل بها الناس ولتسهم في تلطيف حرارة الجو، بمثل هذه الأفكار التطوعية نرتقي وبمثل هؤلاء الشباب نفخر... ودمتم أبناء قومي سالمين.كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] تويتر: @Najwa.janahi