عادل سعد:
يحكم التنافر وقائع ثلاث تتعلق بالضحك، الأولى كحاجة فسيولوجية ونفسية لا بُدَّ منها مثل الحاجة إلى الغذاء والماء والهواء، وإن كان ذلك بمستلزمات أقل في بعض الأحيان، ولكنها حاجة بشرية في كل الأحوال؛ لأنك لا تستطيع أن تظل في قناع زم الشفة وتَنكبْ الغضب، وكأنك في خصومة مطلقة مع السماحة وما تتطلب من بشارة.
الثانية الضحك على الذقون بكل ما تحتوي من وصفة في دس السم بالعسل أو دس السم على رؤوس الأشهاد بذريعة الحرص على الآخر، وهذا له مجالاته المؤلمة في الكثير من الأحيان عندما نكتشف ونحلل تلك الوصفة، ويتم ترسيم التجريح والإساءة وتشويه السمعة، ويتبيَّن من دراسات سسيولوجية أن كل المختصين بارتكاب هذا النوع من الضحك يتميزون بنزعات تآمرية تنمرية في كل الأحوال.
الحالة الثالثة ترتبط بـ(الضحك بلا سبب) الذي يقود إلى النتيجة المعروفة (قلة الأدب)، وفي كل ذلك من الصعب أحيانًا الفرز بين الوقائع الثلاث إلا من امتلك ناصية الحصافة والتبصر والفطنة في اللحظة المعيَّنة، ومن النادر ولا أقُل المستحيل أن أحدًا لم تصادفه في ساعة ما الضحك على الذقن مع يقيني أن بعض برامج الكاميرا الخفية يقع ضمن تلك الخانة بامتياز إن لم يكن في بعض الأحيان صفقة ليس إلا، يحاول فيه الضحايا تمثيل أدوار يزعمون أنهم لا يعلمون بها في مسعى مركَّب من الضحك على ذقون المشاهدين مع قناعتي أن كل الذين يواظبون على هذا النوع من البرنامج يعانون من نقص في حياتهم النفسية.
على أي حال ما يهمنا هنا الضحك العفوي الخارج من الأعماق الذي يملأ الوجه، كل الوجه بشارةً وحبورًا يصل في بعض الأحيان إلى حد تساقط الدموع على وقع ما يفعل البعض وهم يتابعون عادل إمام، أو مستر بن، أو الراحل سيد الضحك الإسباني بورخا الذي يعرف باللغة الإسبانية (ريستياس)؛ أي الضَّحاك.
لقد بدأ مشواره بالضحك على موقف غيَّرَ حياته، فقد كان عاملًا في مطعم وذهب لتنظيف عشرين مقلاة على ساحل البحر القريب من المطعم، ملأها بالماء على أمل أن يأتي إليها بعد ساعات ويكون الماء المالح قد أزال مخلفات الطبخ منها، وعندما عاد إليها لم يجد سوى مقلاة واحدة فقط، فقد جرف الموج تسع عشرة مقلاة إلى عمق البحر بسبب ظاهرة المد والجزر وهكذا تم طرده من عمله، فما كان منه إلا وأخذ يستغرق بالضحك على نفسه لفترة طويلة ضمن إيقاعٍ فريدٍ، ودخل إلى عالم التمثيل بعد أن اكتسبت ضحكته شهرةً ليس أقل من شهرة المواقف المحرجة التي كان تشارلي تشابلن يتعرض لها.
على أي حال، تجاوزت إحدى الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية المثل الذي يقول (لا تستطيع كل مراكز الإحصاء في العالم قياس دفء ابتسامة) وأشارت تلك إلى أن الضحك العفوي العميق هو رياضة جسدية ونفسية مهمة جدًّا، بل قدمت معلومات إحصائية في هذا الشأن جاء فيها أن فائدة ضحك طبيعي مستمر لمدة دقيقتين لا تقل عن فائدة مشي رياضي لمدة عشرين دقيقة، وأن الضحك العفوي دواء للقلب والشرايين، ويحرر الأوعية الدموية من الكسل، ويغذِّي العضلات بالحيوية، خصوصًا عضلات الوجه، وحسب معلومات طبية أخرى أن الضحك دواء مهم لتسييل الدم عند الأشخاص المصابين بلزوجته، وتبين من معلومات مؤكدة أن أحد مستشفيات مدينة البصرة يشهد حالات شفاء سريعة لمصابين بوباء كورونا بفضل محمد كريم، موظف صحي يحرص على إنجاز خدمته إلى المرضى وهو يغني بجزالةٍ أمامهم ويختار الأغاني التي تتلاءم مع أعمارهم، فيستغرقون بالضحك المفتوح، ووفق معلومات أن طبيبًا نمساويًّا يعالج المرضى الذين يقصدونه بالضحك فحسب، أما الباحثة البريطانية صوفي سكوت أستاذة علم الأعصاب في جامعة لندن فتقول بخلاصة إن الضحك المشترك يزيح الغضاضات عن الناس. ولي أن أضيف هنا أن ابتسامة بمعنى الشكوى المؤدبة تمثل عقوبة رادعة في بعض الأحيان، فلماذا لم تفعلها المعلمة اللبنانية التي انهالت بالضرب العاصف على طفل سوري لاجئ لمجرد زعمٍ أنه شتم ابنها.
إن البشارة أقوى أمصال السماحة وأكثرها حضورًا في الرصيد المعرفي العربي، وهناك قائمة طويلة من النوادر والطرائف في هذا الشأن ليس أقلها نوادر جحا.
لقد قاربَ العرب بين الفكاهة والفاكهة، والمفردتان مشتقتان من الفعل فَكَهَ، وأية قيمة أعلى من القيمة الإنسانية التي أشرتها الآية الكريمة 159 من سورة آل عمران (ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك).